قراءة نقدية في المنظومة الجديدة للاستثمار.. ثغرات وهنات قد تفتح الباب أمام الفساد والمحاباة والتحيّل وانعدام الشفافية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 24 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
26
2018

قراءة نقدية في المنظومة الجديدة للاستثمار.. ثغرات وهنات قد تفتح الباب أمام الفساد والمحاباة والتحيّل وانعدام الشفافية

الاثنين 30 جانفي 2017
نسخة للطباعة

تونس- الصباح الأسبوعي
أكد وليد بن صالح الخبير المحاسب والرئيس السابق للهيئة الوطنية للخبراء المحاسبين وجود عديد النقائص في المنظومة الجديدة للاستثمار التي هي الآن بصدد المصادقة القانونية والتشكل (مجلة الاستثمار، مشروع الحوافز الجبائية، مشاريع أوامر بصدد الدرس..) مشيرا إلى أن هدف التشجيع على الاستثمار وإحداث نقلة نوعية في مجال المشاريع المجددة واحداث مواطن شغل.. غير مضمونة لعدة أسباب منها الثغرات القانونية، إعادة توجيه الامتيازات الجبائية والمالية لأنشطة جديدة وحذف أخرى، وضعف آليات الرقابة..
وفي قراءة نقدية للنصوص الجديدة في مجال تشجيع الاستثمار، انتقد بن صالح التشتت الكبير للنصوص والتعقيدات القانونية، وكان من الأجدى أن يتم توحيد جميع النصوص القانونية المتعلقة بالاستثمار في مجلة واحدة، تشتت النصوص خلق لخبطة وسوء فهم بين امتيازات جبائية موجودة في نص خاص وامتيازات مالية في نص آخر..
ولاحظ أنه تم اعتماد امتيازات مالية لنفس المشروع بعناوين مختلفة ما يخلق تعقيدات في التطبيق وفي إسناد الامتيازات ومخاطر كبيرة لإسناد امتيازات مالية في غير محلها، وقد يفتح الباب أمام الفساد والرشوة والمحسوبية والمحاباة وانعدام الشفافية خاصة ان مهمة اسناد الامتيازات هي من مشمولات الهياكل الجديدة المكلفة بالاستثمار والتي تفتقر إلى آليات رقابة ناجعة.
فتحديد الامتيازات المالية وكيفية إسنادها بأمر حكومي من شأنه أن يقلل من مبدإ الأمن القانوني (sécurité juridique ) لأن الأمر الحكومي يمكن تنقيحه وتغييره في أي وقت ويمكن ان يخلق وضعيات من المنافسة غير الشريفة من نصوص جبائية غير عادلة ويفتح أيضا المجال لتغيير المبادئ الأساسية لشروط إسناد الامتيازات تبعا لتغير الحكومات أي ان مضمون الأوامر التطبيقية المتعلقة بالاستثمار ستكون مرهونة وخاضعة للتوجه السياسي والاقتصادي للسياسيين والأحزاب التي تفوز بالانتخابات .. بما يعني ان كل حكومة جديدة سيكون لها مجال واسع لتغيير الأوامر والقرارات المتعلقة بتشجيع الاستثمار حتى تكون على المقاس..

اشكاليات تطبيقية
تتضمن مجلة الاستثمار التي تمت المصادقة عليها في سبتمبر 2016 مبادئ عامة لإنجاز الاستثمار وحقوق وواجبات المستثمرين والهياكل الحكومية المكلفة بالاستثمار غير أن تأخير تطبيق المجلة إلى أفريل 2017 إلى حين المصادقة على مشروع قانون مراجعة الامتيازات الجبائية، من شأنه أن يخلق اشكاليات تطبيقية، حسب محدثنا. لأن السنة الجارية ستشهد تطبيق نصوص قانونية مختلفة، في الثلاثية الأولى يتواصل تطبيق مجلة الاستثمار القديمة، وبعد أفريل دخول المجلة الجديدة حيز التنفيذ خاصة في طريقة إسناد الامتيازات واحتساب الضريبة على الدخل وعلى الشركات أخذا بعين الاعتبار الامتيازات الجبائية الجديدة.
وتتعلق مشاريع الأوامر التطبيقية الحكومية لمجلة الاستثمار خاصة بإحداث الهياكل الحكومية للاستثمار تركيبتها وطرق تسييرها، والثاني يتعلق بتنظيم القطاعات والأنشطة التي ستنتفع بالاستثمار، والأمر الثالث يتعلق بكيفية إسناد الامتيازات المالية للاستثمار..

التخلي عن امتيازات وتشجيعات جبائية
كشف بن صالح أن في المنظومة الجديدة للاستثمار تم التخلي عن عدة امتيازات وتشجيعات لفائدة المستثمرين دون أن يتم القيام بدراسة دقيقة وشاملة لتأثير إلغائها على الأنشطة الاقتصادية ومناخ الاستثمار ما تم القيام به فقط إشارة إلى المداخيل المالية المنتظرة من الاستثمار والمقدرة بـ2400 مليون دينار دون أن يتم الإشارة إلى مواطن الشغل المحدثة والقطاعات التي ستشهد انتعاشة أو تلك التي ستتضرر من المنظومة الجديدة للاستثمار..
وأوضح بن صالح أنه تم في هذا السياق التخلي عن امتيازات جبائية أثبتت جدواها في السنوات الفارطة وكان يمكن مواصلة اعتمادها عبر ترشيدها والتحكم فيها وليس إلغائها نهائيا على غرار الامتياز المتعلق بإعادة استثمار المرابيح صلب الشركات والذي كان له أثر ايجابي على دعم القدرة التنافسية والانتاجية لعديد المؤسسات، وهذا الامتياز تم حصره فقط لفائدة الشركات المصدرة كليا.. أي أن الشركات الأخرى لن تستفيد منه وبالتالي ستتضرر سلبيا من حرمانها منه.
كما تم التخلي عن امتياز التشجيع على التصدير وخاصة منه التشجيع على التصدير غير المباشر، فقد كانت المؤسسات التي تؤدي خدمات أو تبيع منتجات للمؤسسات المصدرة كليا أو المؤسسات المنتصبة في فضاءات الأنشطة الاقتصادية والتي تنتفع بامتيازات في عمليات تصدير غير مباشر إذ تقوم بفوترة احتساب الأداء على القيمة المضافة مع الانتفاع بتخفيض على الضرائب المباشرة. الغاء هذه الامتيازات سيزيد في اثقال مزيد من الضرائب على الشركات التي تنشط في اطار التصدير غير المباشر وبالتالي في كلفة الانتاج والأسعار المفوترة واضعاف قدرتها التنافسية، بحسب الخبير المحاسب.  
ولاحظ أنه في البلدان المنافسة لتونس مثل المغرب ورومانيا، تم إقرار اعفاءات جبائية في كل شيء تقريبا على امتداد الـ5 سنوات الأولى من الاستثمار في الوقت الذي أقرت فيه بلادنا توظيف ضريبة على المرابيح بـ10 بالمائة. وقال :" صحيح أنه تم اقرار امتيازات لتشجيع الاستثمار في القطاع الفلاحي وفي التنمية الجهوية لكن هذا التمشي غير كاف."

تأثير سلبي على ميزانية الدولة
وأوضح أنه تم في المنظومة الجديدة التركيز أساسا على الامتيازات المالية الممنوحة من الدولة لفائدة المشاريع الجديدة على حساب الامتيازات الجبائية، هذا التركيز سينتج عنه عبء مالي مباشر وكبير جدا على ميزانية الدولة التي تعاني أصلا من العجز وشح السيولة وقلة الموارد.. وكان من الأجدى اقرار امتيازات مرتبطة بتحقيق مرابيح..  مع العلم أن مشروع الأمر المتعلق بالامتيازات الجبائية يقضي بالترفيع في نسب ومبالغ المنح القصوى التي يمكن اسنادها للمشاريع الاستثمارية".  
ويكمن الاشكال حسب بن صالح في ان الامتيازات المالية قد تسند لفائدة مشاريع غير مجدية ولا يمكن ضمان ديمومتها ويمكن أن تندثر في أية لحظة.  
في سياق متصل لاحظ ان الامتيازات الجبائية التي تم الحط منها أصبحت أساسا موجهة لفائدة المشاريع الجديدة، مقابل التخلي عن مشاريع التوسعة والتجديد وتغيير النشاط، وهذا من شأنه أن يحدث ضررا بالغا على المؤسسات المنتصبة التي لا يمكنها تطوير إمكانياتها وقدرتها التنافسية ويمكن أن تخلق لها منافسة مبنية على أساس جبائي غير عادل، ما يشكل خطرا على النسيج الاقتصادي الموجود وعلى مواطن الشغل ويحد من تطوير التجربة المكتسبة من المؤسسات المنتصبة.

فتح الباب أمام التحيل
ذكر الخبير أن هناك امتيازا جبائيا يخص إحداث المشاريع الجديدة وأغلب القطاعات يتعلق بالإعفاء من الضريبة على الأرباح بنسبة 100 بالمائة في السنة الأولى، و75 بالمائة في السنة الثانية و50 بالمائة في الثالثة و25 بالمائة في الرابعة.. وقد أثبت الواقع ان في غالب الأحيان الامتياز لن يكون له جدوى كبيرة لأن المشاريع الجديدة لا تحقق عادة نتائج ايجابية خلال الـ3 سنوات الأولى من بداية النشاط الفعلي، أي ان مردودية الامتياز الجبائي تعتبر ضعيفة والأخطر أنه في ظل ضعف آليات الرقابة لدى الإدارة يمكن ان يتحول الامتياز إلى وجهة مشاريع أو يشجع على تحويل وجهتها.. عن طريق التخلي عن المؤسسات المنتصبة حاليا وغلقها والتوجه إلى احداث مؤسسات جديدة للاستفادة من الامتياز وهو ما من شأنه ان يفتح الباب أمام التحيل ( Détournement d’Avantages) وبالتالي حرمان الدولة من موارد جبائية كبيرة لضعف آليات الرقابة في حين أن تقرير صندوق النقد الدولي الأخير والصادر في نوفمبر 2016 أكد على مزيد التحكم في الامتيازات الجبائية والمالية ومراقبتها وتقييمها وهو ما يتعارض مع المنظومة الجديدة للاستثمار.  
ولتجنب ذلك دعا بن صالح إلى ضرورة إعادة النظر في مجمل التشريعات المتعلقة بتشجيع الاستثمار والتخفيف من النصوص والإجراءات المعقدة وتعزيز آليات الرقابة القبلية والبعدية وإسنادها لهيكل مختص مستقل. فمثلا في مشروع أمر إحداث هياكل الاستثمار سيتم إحداث مجلس أعلى للاستثمار، مهامه ان يضع استراتيجية الاستثمار ويقوم بتقييمها بنفسه يعني هو الخصم والحكم.. !؟
يذكر ان مجلس نواب الشعب بصدد مناقشة مشروع قانون يتعلق بمراجعة منظومة الامتيازات الجبائيّة يهدف إلى تحسين الاستثمار الخاص في المناطق الداخلية من خلال منح امتيازات للمستثمرين في هذه المناطق وتبسيط الإجراءات الجبائيّة.
ويتضمن مشروع القانون اجراءات وامتيازات جديدة ستنضاف إلى مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات بعنوان الاستغلال والتنمية الجهوية، التنمية الفلاحية، التصدير، أنشطة المساندة ومقاومة التلوث، والمؤسسات جديدة الإحداث.

 

رفيق بن عبد الله  

 

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد