مؤتمر الاستثمار وقانون المالية وحدهما لم يصنعا «الربيع»: هل يمهد تحوير وزاري الطريق للانتعاشة؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 29 أفريل 2017

تابعونا على

Apr.
29
2017

مؤتمر الاستثمار وقانون المالية وحدهما لم يصنعا «الربيع»: هل يمهد تحوير وزاري الطريق للانتعاشة؟

الأربعاء 11 جانفي 2017
نسخة للطباعة
مؤتمر الاستثمار وقانون المالية وحدهما لم يصنعا «الربيع»: هل يمهد تحوير وزاري الطريق للانتعاشة؟

تونس-الصباح- بين كلمة رئيس حكومة الوحدة الوطنية يوسف الشاهد المتقدة حماسا والواعدة بمستقبل أفضل وبالإصلاحات الجذرية خلال جلسة نيل الثقة بالبرلمان وواقع الحكومة اليوم بون شاسع، فحكومة الوحدة الوطنية التي وُلدت من رحم نقاش وسجال سياسي طويل وشائك وحملت آمال وطموحات الجزء الأكبر من الطبقة السياسية فقدت توهّجها وألقها ما إن واجهت "أزمة قانون المالية" الذي كاد يزجّ بالبلاد في نفق مظلم بعد تعنّت وتصلّب مواقف القطاعات التي رفضت الانصياع لإجراءات هذا القانون الذي تواصل النقاش والجدال حوله لأسابيع وكاد يسقط في أيامه أخيرا لولا ترضيات وتنازلات الحكومة.

كما أن هذه الحكومة التي كانت مضطرة للمحاصصة الحزبية حتى تضمن توسيع قاعدة الدعم السياسية لها، وجدت نفسها اليوم بعد أكثر من أربعة أشهر من تسلّم مهامها مضطرة لمواجهة إخفاقات بعض الوزراء من الذين وجدوا في الحكومة في إطار الغنيمة الحزبية وليس وفق منطق الكفاءة والقدرة على الانجاز والتطوير، ورغم أن عددا كبيرا من الوزراء خيّروا "الابتعاد" عن الإعلام اعتقادا منهم أن ذلك الحلّ الأسلم لحماية أنفسهم من النقد والانتقاد إلا أن خيارهم عاد عليهم بالوبال، حيث مضت أسابيع وأشهر ونحن نكاد لا نعلم عن نشاطهم شيئا، لكن في المقابل هناك وزراء اشتغلوا على البروز المبالغ فيه دون انجازات فعلية للمهام المنوطة بعهدتهم وتحوّل ظهورهم إلى مطية للدفاع عن سياسات أحزابهم وليس سياسات وزاراتهم.

وطوال كل الفترة الماضية من عمر الحكومة قد تكون نقطة الضوء الوحيدة هي مؤتمر الاستثمار الذي ما زلنا ننتظر نتائجه على الأرض وننتظر تحقيق وعوده الكبيرة، ولكن مؤتمر الاستثمار لوحده لا يمكن أن يصنع ربيع حكومة قيل أنها ستسابق الزمن لتعبر بنا إلى ضفة الأمان فإذا بها أصبحت تسابق الزمان حتى تتماسك ولا ينفرط عقدها وتنهار... كيف سيكون مصير هذه الحكومة الفاقدة للحماس؟ وهل يمكن أن ينعش التحوير الوزاري المحتمل في بعض المناصب الوزارية على الحكومة ويردّ لها "الروح"؟

   

يوسف الشاهد والصورة المركّبة

رغم نقص تجربته السياسية والحزبية ورغم كونه لم يكن من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في المشهد السياسي التونسي قبل وبعد الثورة، إلا أن يوسف الشاهد الذي كان تعيينه على رأس حكومة الوحدة الوطنية "مباغتا" للبعض ومجازفة كبيرة من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي وضع كل ثقله السياسي وكل تجربته لترى هذه الحكومة النور كما أراد لها منذ البداية، إلا أن يوسف الشاهد استفاد من أخطاء سلفه الحبيب الصيد في أوّل ظهوره كرئيس حكومة وحاول الفريق الذي دفع به إلى الواجهة أن يصنع من يوسف الشاهد شخصية جذّابة سياسيا ومقبولة من الجميع وأن تكسب ثقة الشباب، فبدأ في أوّل تصريحاته الإعلامية وخاصّة في جلسة نيل الثقة بالبرلمان في صورة ذلك السياسي الشاب، الواثق من نفسه،الملمّ بكل الأوضاع، والمستعدّ للتحدّي وللمجازفة، والقادر على قيادة الشعب إلى مصير أفضل.. ورغم مجهودات يوسف الشاهد التي بذلها للتقيّد بتلك الصورة "المخطّط لها"، إلا أنه حسب جلّ المتتبعين للشأن السياسي فان تلك "الصورة" لم تكن مبهرة بشكل كاف، وقد تهاوت تلك الصورة ألا وهي صورة الرجل القوّي ذي الكاريزما المؤثرة  مع أول العقبات التي اعترضت الحكومة وهي عقبة قانون المالية.  ورغم أن عملية سبر الآراء الأخيرة أبرزت تصدر رئيس الحكومة يوسف الشاهد ترتيب الشخصيات السياسية التي تحظى بثقة التونسيين،إلا أن هذه الثقة لا تتعدّى نسبتها 33 بالمائة من المستجوبين،كما أن رئيس الحكومة الشاب الذي قال أنه يراهن على الشباب إلا أن هذا الشباب لا يثق فيه، ولا يعتبر فعلا أن رئيس الحكومة يمثّله، وبالتالي فشل يوسف الشاهد في أن يكون شخصية مؤثرة ولها حضور قوّي في المشهد الحكومي وكذلك في المشهد السياسي العام .

وان يصنع رئيس الحكومة لنفسه "صورة" سياسية فان ذلك ليس بالأمر الخاطئ فجلّ الشخصيات السياسية في العالم أصبحت تشتغل على صور مركّبة تكون أقرب إلى وجدان الجماهير وقادرة على التأثير والطمأنة ولكن الصورة المركّبة التي صنعها يوسف الشاهد لنفسه لم يستطع ان يحافظ عليها طويلا، خاصّة مع ابتعاده نوعا ما عن الإعلام في الآونة الأخيرة،كما أن طبيعة الحكومات الائتلافية لا تسمح ببروز شخصيات حزبية على حساب شخصيات أخرى لأن الائتلاف المعلن يغطّي على صراع خفّي بين أحزاب الائتلاف حتى لا ينفرد أي منها بسلطة القرار وبالأضواء.

 

وزارات "الصمت"

منذ انطلاق الحكومة في أداء مهامها،تميّز أداء بعض الوزراء في حين فشل البعض الآخر، ورغم أن مدة عمل الحكومة قد لا تكون كافية للحكم على الأداء الاّ أن ذلك لا يبرّر فشل هؤلاء الوزراء في إدارة بعض الملفات الحساسة، فمن بين الوزراء "الصامتين" نجد وزيري تكنولوجيات الاتصال والتعليم العالي، فهذان الوزيران لا يظهران في الاعلام كما انه رغم عديد الملفات التي تحت إشرافهما الا أن وزارتي تكنولوجيات الاتصال والتعليم العالي تبدو الأضواء منحسرة عنهما تماما ربما لغياب أنشطة تستحق الذكر.

ومن الوزارات التي فشلت في معالجة ملفات حارقة نجد وزارة الصحة، فعندما تسلّمت وزيرة المرأة السابقة سميرة مرعي مهامها على رأس الوزارة كانت هذه الوزارة على "صفيح ساخن" بعد سلسلة من الفضائح طالت الوزارة كقضيتي اللوالب القلبية والمنتهية الصلوحية و"البنج" الفاسد وبعد أن تحوّلت هذه القضية إلى قضية رأي عام شغلت الجميع لأشهر ورغم أن الوزارة لم تقدّم وقتها إجابات مقنعة حول ما حصل إلا أنه منذ تعيين سميرة مرعي "اختفت" هذه القضايا وحتى التحقيق الذي  وعدت الوزارة من خلاله بكشف تفاصيلها لا ندري ما حلّ به، كما ان الحالة المزرية للمستشفيات العمومية الجامعية والجهوية منها ظلّت على حالها بل زادت الوضعية ترديا، وجولة سريعة في أقسام الاستعجالي بأغلب المستشفيات كافية لنقف على حجم "المأساة" وعلى مرضى يموتون في صمت لأن الدولة عاجزة عن توفير الإمكانيات.

ومن الوزارات "الخاملة" رغم التحرّكات الكبيرة لوزرائها نجد وزارة البيئة ووزارة العلاقات مع المجتمع المدني، فرياض المؤخر ومهدي بن غربية لا يفوّتان أي فرصة للظهور ولكن عمليا ليس هناك انجازات تذكر لهذين الوزيرين.

ورافق الأداء المحتشم أيضا وزارات الطاقة والمناجم والصناعة والتجارة والتشغيل وخاصّة وزارة السياحة فرغم أهمية هذه الوزارات في الدورة الاقتصادية وفي التنمية وفي حلّ الملفات الكبرى كالتشغيل والاستثمار إلا أن أداء الوزراء المشرفين على هذه الوزارات كان دون المأمول ولم نر "نوايا" للانجاز، ونفس الأمر ينطبق على وزارة المالية حيث فشلت الوزيرة في تمرير مشروع المالية بالصيغة التي صاغتها الحكومة ورضخت لإرادة القطاعات التي استقوت على الحكومة، كما فشلت ماجدولين الشارني في أداء مهامها كوزيرة للشباب والرياضة وقاسمها الفشل وزير النقل أنيس غديرة.

ورغم المجهودات التي بذلها وزير الشؤون الخارجية خميس الجهيناوي في مؤتمر الاستثمار الأخير، ورغم مجهوداته في تفعيل الديبلوماسية الاقتصادية إلا أن وزارة الشؤون الخارجية تحتاج لمواقف وقرارات جريئة أكثر خاصّة على مستوى العلاقات الدولية تعيد للديبلوماسية التونسية بريقها وقوتها.

غير أن فشل بعض الوزراء وتقاعسهم عن أداء مهامهم لا يعكس تميّز أداء بعض الوزراء ومن بين هؤلاء الوزراء نجد عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد والذي قام بمجهودات كبيرة للدفاع عن مواقف حكومته، كما سعى الى تهدئة الوضع الاجتماعي مستفيدا من خبرته النقابية السابقة ونفس الآمر ينطبق على محمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية الذي كان له دور كبير في تطويق الخلاف بين الحكومة والاتحاد بسبب إجراءات قانون المالية.

كما نجح وزير الداخلية الهادي مجدوب ووزير الدفاع فرحات الحرشاني في ضمان استقرار الوضع الأمني داخل المدن وفي المناطق الحدودية، وبدوره نجح وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي محمد الفاضل عبد الكافي في أداء مهامه خاصّة مع نجاح مؤتمر الاستثمار، كما حافظ وزير التجهيز محمد صالح العرفاوي على نجاحه من خلال إتمام انجاز عدد من المشاريع الكبرى، ورغم معاركه "النقابية" المتواصلة إلا أن ناجي جلول حافظ على نجاحه، كما أن وزير الفلاحة سمير بالطيب القادم من المعارضة استطاع أن يفتح عدّة ملفات صلب وزارته وأن يكون قريبا من القطاعات التي يشرف عليها، والى حدّ ما نجح وزير العدل في أداء مهامه رغم عبء وزارة الشؤون الدينية التي آن الأوان أن يتم تعيين وزير على رأسها.    

وما يستنتج من هذا الفشل والنجاح هو أن الاختيارات الحزبية غير المدروسة أثّرت على بعض مواقع القرار سلبا وأن بعض الوزارات أسندت إلى شخصيات تنقصها الخبرة والكفاءة، وهو ما يستدعي تفكيرا جدّيا من رئيس الحكومة لإجراء تحوير وزاري حتى لا يتفاقم الفشل.

منية العرفاوي

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة