في سوسة.. أطفال برتبة "عمال".. القانون يحجر والخصاصة تبرر - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 24 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
26
2018

في سوسة.. أطفال برتبة "عمال".. القانون يحجر والخصاصة تبرر

السبت 19 نوفمبر 2016
نسخة للطباعة

لا تكاد تخلو معتمديّة من معتمديّات الولاية من تفشّي واستفحال ظاهرة تشغيل أطفال دون السنّ القانونيّة،الظّاهرة لم تعد تقتصر على موعد حلول العطلة الصّيفيّة فحسب بل أضحت تسجّل حضورها بقوّة وعلى امتداد السّنة حيث تقتحم الطّفولة سوق الشّغل وتنتزع لها مكانا بين جمهور الكادحين والمجاهدين اليافعين من أجل لقمة عيش كريم إذ لم يعد يقتصر عمل القاصرين على بيع المناديل الورقيّة وخبز الطّابونة على غرار ما هو موجود بمحطّة الاستخلاص بهرقلة أو تبخير المحلاّت التّجاريّة المتواجدة بمختلف المناطق السّياحيّة مقابل بعض المليمات أو بيع الأكياس البلاستيكيّة بالأسواق اليوميّة أو الأسبوعيّة بل تعدّى إلى ما هو أخطر من ذلك فأصبح من المألوف جدّا أن ترى طفلا لم يتعدّ الثالثة عشر من العمر يعمل  بمحلاّت ومحطّات غسل السيّارات وتصليح الأضواء والميكانيك وورشات النّجارة والألمنيوم والحدادة ولم  يعد يستفزّ المارّين أو يسترعي انتباههم أو يثير انزعاجهم مشهد طفل يعمل بحضيرة بناء وهو لم يتعدّ الخامسة عشر من عمره يتصارع ويعاني المشقّة جرّاء دفعه عربة تفوق حمولتها كتلته الجسديّة .
الفقر والمدرسة في قفص الاتّهام
تفيد التّقارير الرّسميّة الصّادرة عن الجهات الرّسميّة وعن مندوبي حماية الطّفولة بتواضع الأرقام التي تثبت تسجيل حالات استغلال اقتصادي أو توظيف فيه ابتزاز وتعدّ على الطّفولة، إذ وقع تسجيل 40 حالة استغلال اقتصادي وتسوّل خلال سنة 2014 وهو رقم بعيد كلّ البعد عن واقع شوارعنا وما تسجّله من حالات استغلال فاحش وتعدّ صارخ على الطّفولة سواء على مستوى الاستغلال الاقتصادي والاعتداء المادّي  أو على مستوى التحرّش الجنسي الذي يعاني منه العديد من الأطفال الذين ينحدرون من أوساط اجتماعيّة جدّ متواضعة وفقيرة والذّين وجدوا أنفسهم ورغم حداثة أعمارهم مدفوعين بمباركة أبويّة إلى الدّخول في معترك الحياة وتحمّل جانب من المسؤوليّة بتوفير قدر من احتياجات الأسرة فلم يتسنّ لهم التمتّع بحقّ اللّعب واللّهو على غرار أندادهم واغتصبت منهم طفولتهم عنوة بسبب الفقر والخصاصة وبتحالف مع منظومة تربويّة تعاني الكثير من القصور والفشل نتيجة للتزايد المطّرد لعدد المنقطعين والمتسرّبين سنويّا وعجز المؤسّسات التربويّة عن استعادة أبنائها في حالات كثيرة خلافا لما يقع التّرويج له حيث فقدت هذه المؤسّسات الكثير من مصداقيّتها وصدق نتائجها لتواضع مناهجها ومحدوديّة إمكانيّاتها وقصور منظومتها التّقييميّة وما النّسب المرتفعة للانقطاع المبكّر عن الدّراسة إلاّ خير دليل على ذلك إذ يرى علماء الاجتماع انّ الانقطاع المبكّر عن الدّراسة يحيل حتما إلى الفساد الاجتماعي الذي يتجلّى خصوصا في ظاهرة التّسوّل بكونها تجسيم لاخلالات تصيب التّوازنات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتي تزداد خطورة وقتما يقع توظيفها في مجالات أوسع وأخطر تتمظهر في تشكيلات وتنظيمات وعصابات منظّمة تعمل في مجال المخدّرات والسّرقة من خلال استقطاب وإغراء عدد من المراهقين والأحداث ممّن انقطعوا عن الدّراسة ولم يجدوا مؤسّسات كافية تحتضنهم وتعمل على تأهيلهم بما يضمن حسن اندماجهم في الحركة الاقتصاديّة إذ لا توفّر مراكز الإدماج سوى طاقة استيعاب محدودة جدّا لا تتعدّى في أفضل الحالات عشر عدد المنقطعين.
رأي القانون في المسألة
يعاقب القانون صراحة كلّ من يستخدم ويشغّل أطفالا دون السنّ القانونيّة ويعرّض المؤجّر للمؤاخذة الجزائيّة التي تتضاعف في صورة العودة ويكون المؤجّر مدعوّا إلى تحمّل مصاريف جبر المضرّة للقاصر إذا ما ثبت تعرّضه إلى مضرّة نتيجة تشغيله ورغم علم الكثيرين من أصحاب المهن بقانون الشغل إلاّ أنّهم لا يتورّعون عن تشغيل القاصرين دون السنّ القانونيّة لاعتبارات ماديّة ومهنيّة فقد بيّن عدد من أصحاب محلاّت تصليح الميكانيك أو ورشات النّجارة أنّ الأطفال لا يتقاعسون خلافا للرّاشدين وأنّهم يبدون مهارة وحذقا خاصّة في تنظيف قطع غيار المحرّكات فضلا عن مهارتهم في العمليّات التي تسبق طلاء السيّارات وهو ما يدفعهم إلى التّعويل على خدماتهم إلى جانب الأخذ بخاطر أوليائهم الذين يلحّون على تشغيلهم خوفا من مخاطر الشّارع والانحراف أو لضواغط  وصعوبات ماديّة واقتصاديّة تعاني منها عديد الأسر.
أين يكمن الحل؟
للحدّ من هذه الظّاهرة التي استفحلت في عديد مناطق البلاد والتي أصبحت تشكّل مشهدا مزعجا يعكس بوضوح فشل عديد الجهات الرّسميّة والتي لها علاقة مباشرة بالطّفل وبحقوقه وجب التّفكير في استراتيجيّات عمل تضبط بالشّراكة والتّوافق بين مؤسّسات الدّولة من جهة ومختلف هياكل ومنظّمات المجتمع المدني من خلال التّشديد على الرّقابة الإداريّة وتكثيف حملات المراقبة باعتبارها تبقى الوسيلة الأنجع التي تحول وتفشّي هذه الظاهرة وتحدّ من نسق تناميها وإلزام كلّ مشغّل بتوفير جملة من البيانات والمعطيات الشّخصيّة التي تتضمّن معلومات دقيقة بالطّفل وسنّه وطبيعة النّشاط الذي يمارسه ومؤهّلاته المهنيّة والجسديّة والاستظهار بذلك لمتفقّد الشغل وطبّ الشّغل عند الضّرورة كما أنّ للمجتمع المدني الفضل الكبير في مؤازرة جهود الدّولة ومؤسّساتها بفضل غزارة وثراء تجربته وقدراته البشريّة الهائلة لشدّ أزر الدّولة والمؤسّسات التي تعنى بالطّفولة ومشاركتها في اتّخاذ القرارات وتشريكها في تفعيل وتنفيذ الخطط والإستراتيجيّات التي يجب أن تؤخذ وفقا لدراسات ميدانيّة لا بناء على قرارات مسقطة يغلب عليها التّنظير وهو ما يقتضي بعث عديد مراكز التّأهيل والإحاطة  بالمنقطعين وفق إستراتيجية "دولة المهمّات" التي تضطلع بتنفيذ برامج ومهمّات محدودة وقابلة للتّجسيم والتّحقيق على أرض الواقع إذ ليست العبرة في كثرة البرامج والعناوين والآليّات  بل في مدى نجاعة التدخّل الذي يكون تحت مظلّة رقابيّة مشتركة بين الدّولة والمجتمع المدنيّ لضمان حسن التصرّف في الأموال المرصودة  بما يضمن رعاية وحماية أوفر للطّفولة ببلادنا.

 

أنور قلاّلة

إضافة تعليق جديد