لماذا هدد العباسي بالاضراب العام - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 18 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
18
2018

لماذا هدد العباسي بالاضراب العام

السبت 12 نوفمبر 2016
نسخة للطباعة

ما من شكّ أنّ مجرّد مقارنة سريعة بين مضمون تصريحه الّذي أدلى به لوسائل الإعلام الوطنيّة بتاريخ 17 أكتوبر الماضي عقب لقائه برئيس مجلس نوّاب الشّعب في إطار المشاورات لتجاوز الأزمة الّتي أثارها المقترح الحكومي بإرجاء صرف الزّيادات في أجور موظّفي القطاع العامّ لغاية سنة 2019.. وهو التّصريح الّذي بدا للمتابعين “عاقلا” و”رصينا” وغير تصعيدي ولا متشنّجا والّذي أكّد فيه ـ وقتها ـ الأمين العامّ لاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل حسين العبّاسي ـ من بين ما أكّد ـ أنّ المنظّمة النّقابيّة “تبسط يدها لكلّ يد تمتدّ إليها” في إشارة منه لقبول “الاتّحاد” دعوة الحكومة للتّشاور من جديد حول مقترح تأجيل صرف الزّيادات في الأجور في قطاع الوظيفة العموميّة على امتداد سنتي 2017ـ 2018 .. وأنّه “بالحوار ولا شيء غير الحوار سنجد حلولا لمشاكلنا ونمضي على الطّريق السّويّ من أجل المحافظة على بناء الدّولة الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة” وبين ما جاء ـ مثلا ـ في حديثه أمس الأوّل ـ الخميس ـ لإذاعة “راديو ماد” الخاصّة والّذي قال فيه ـ من بين ما قال ـ أنّ ردّ فعل المنظّمة النّقابيّة على “فرضيّة” مضيّ الحكومة قدما ـ ومن جانب واحد ـ في تنفيذ مقترحها بإرجاء صرف الزّيادات في قطاع الوظيفة العموميّة سيكون “بكلّ الأشكال النّضاليّة بما في ذلك الإضراب العامّ”.. مجرّد المقارنة السّريعة بين هذين التّصريحين ستجعل المتابع يقف على “تحوّل” واضح ـ لا نقول في موقف الأمين العامّ للاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل من مسألة إرجاء الزّيادات في الأجور في قطاع الوظيفة العموميّة ـ ولكن على الأقلّ في طبيعة “الخطاب” المستعمل من طرفه في التّعبير والإعلان عن هذا الرّفض..
لماذا ـ يا ترى ـ هذا “التّحوّل العنيف” في خطاب الأمين العامّ السيّد حسين العبّاسي من مسألة تأجيل صرف الزّيادة في أجور القطاع العامّ في هذا الوقت تحديدا ؟ وما هي دلالاته ـ إن كانت له دلالات ـ ؟
قبل محاولة الإجابة عن هذا السّؤال لابدّ من الإشارة إلى أنّ خطابات “التّصعيد” من الجانب النّقابي فيما يتعلّق بمقترح حكومة يوسف الشّاهد بتأجيل صرف الزّيادات في أجور القطاع العامّ إلى غاية 2019 ظلّت في الواقع تتواتر و”تتتالى” تباعا على امتداد الأيّام القليلة الماضية وذلك على لسان أكثر من قيادي نقابي من الصّفّ الأوّل.. فالأمين العامّ المساعد بالاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل سمير الشّفّي ـ على سبيل الذّكر لا الحصر ـ سبق له أن “لوّح” بخيار الإضراب العامّ كشكل من أشكال الاحتجاج والوقوف في وجه مقترح إرجاء الزّيادات في قطاع الوظيفة العموميّة.. وكذلك فعل أيضا بوعلي المباركي وغيره.. ولعلّ “ذروة” التّصعيد في الخطاب النّقابي من هذه المسألة ـ تحديدا ـ تبقى ممثّلة في العبارات والدّلالات الّتي وردت في “تدوينة” الأمين العامّ المساعد سامي الطّاهري الّتي أنزلها على حسابه الشّخصي على “الفايسبوك” والّتي جاء فيها حرفيّا “الحكاية محسومة..يا الحكومة تتراجع عن فصول من ميزانيّتها وتتدارك أمرها..يا تحضّر روحها إلى مواجهة لن يتراجع فيها الاتّحاد حتّى يسقط القوانين الّتي تضرب حقّ العمّال..” وذلك قبل أن يضيف مهدّدا “لا استقرار اجتماعيّا دون احترام التّعهّدات وضمان الحقوق..”
ربّما اعتبرت مثل هذه التّصريحات والتّدوينات ـ على “انفلاتيّتها” و”استفزازيّتها” أحيانا ـ غير ذات خطورة قصوى وذلك لسبب بسيط أنّها لم ترد على لسان الأمين العامّ حسين العبّاسي ـ شخصيّا ـ بصفته قياديّ أوّل.. لذلك نجدها لم تثر في حينها لا المخاوف ولا ردود الأفعال.. أمّا أن يصرّح حسين العبّاسي شخصيّا هذه المرّة وتحديدا بتاريخ أمس الأوّل ـ الخميس 10 نوفمبر ـ أنّ المنظّمة النّقابيّة قد تذهب إلى إعلان الإضراب العامّ في حال لم تتراجع حكومة الشّاهد عن مقترحها بإرجاء صرف الزّيادات في أجور القطاع العامّ فهذا يمثّل “تحوّلا” ـ كما قلنا ـ لا بدّ من البحث في أسبابه وطبيعة توقيته..
“يأس” أم “ضغط” ؟
والواقع أنّ النّاظر في مسار المفاوضات القائمة منذ أسابيع بين الحكومة و”الاتّحاد” بخصوص مقترح إرجاء صرف الزّيادات في أجور القطاع العامّ على امتداد سنتي 2017 و 2018 وما صاحبها من تسريبات حول ما قد تكون وصلت إليه إلى حدّ الآن هذه المفاوضات قد تحصل لديه قناعة بأنّ الموقف الحكومي لا يزال يبدو “متصلّبا” فيما يخصّ مقترح التّأجيل بدليل أنّ بعض التّسريبات تقول أنّ هناك “توجّها” لتحكيم صندوق النّقد الدّولي من أجل حسم المسألة.. فضلا عن تسريبات أخرى غير متأكّدة تقول أنّ هناك توجّه نحو جعل مدّة التّأجيل سنة واحدة وليس سنتين..  
هذه التّسريبات ـ إن صحّت ـ ربّما تكون في ذاتها تقف وراء ما أسميناه “التّحوّل العنيف” في خطاب الأمين العامّ السيّد حسين العبّاسي الّذي بدأ ربّما يستشعر “اليأس” وبدأ يقف على حقيقة أنّ الحكومة لا يمكنها إطلاقا ـ اعتبارا لواقع الموازنات الماليّة للدّولة ـ الّذي يعلمه السيّد حسين العبّاسي جيّدا حقيقته ويعلم “خوره” أن تتراجع بشكل كلّي عن الأخذ بمقترح تأجيل صرف الزّيادات في الأجور في قطاع الوظيفة العموميّة لذلك نجده قد دخل ـ شخصيّا ـ هذه المرّة على “خطّ” التّصعيد والتّلويح بإعلان الإضراب العامّ ربّما فقط من أجل “الضّغط” .. وهو “التّحوّل” الّذي ترجمه تصريحه المذكور الّذي أدلى به أمس الأوّل ـ الخميس ـ لإذاعة “راديو ماد” الخاصّة..
نرجّح ذلك لأنّنا نحترم السّيّد حسين العبّاسي ـ شخصيّا ـ كقيادي نقابي ونحترم المنظّمة النّقابيّة.. ولأنّنا أيضا لا نريد أن نصدّق ما تروّج له بعض الأطراف ـ من أنّ هذا “التّحوّل” العنيف في الخطاب هو ـ في أحد وجوهه ـ “ثمرة” اجتماع السيّد حسين العبّاسي منذ يومين بوفد من قيادات الجبهة الشّعبيّة يتقدّمهم السيّد حمّة الهمّامي.. بل هناك من يذهب أيضا إلى حدّ القول بأنّ “عودة” الأمين العامّ للاتّحاد المفاجئة للنّبش من جديد في “ملفّ” ما يعرف برابطات حماية الثّورة ومفاجأته الرّأي العام الوطني من خلال نفس التّصريح بالقول أنّ “رابطات حماية الثّورة” هي “الذّراع العسكري” لحركة النّهضة هو أيضا “ثمرة” من ثمرات هذا اللّقاء..
نحن لا نريد أن نصدّق ذلك لأنّنا لا زلنا نعتقد أنّ “الاتّحاد” وفي هذا الظّرف ـ تحديدا ـ لا يمكن أن يسمح لنفسه بهكذا “ممارسات” أو أخطاء فظيعة ـ حتّى لا نقول بهكذا عبث ـ

 

محسن الزّغلامي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد