وعود تلاشت...استحقاقات مؤجلة وغضب متأجج: ماذا بقي من الثورة في سيدي بوزيد؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Feb.
29
2020

وعود تلاشت...استحقاقات مؤجلة وغضب متأجج: ماذا بقي من الثورة في سيدي بوزيد؟

الخميس 20 أكتوبر 2016
نسخة للطباعة
"العربة الحجرية" الشاهد الوحيد على الذكرى
وعود تلاشت...استحقاقات مؤجلة وغضب متأجج: ماذا بقي من الثورة في سيدي بوزيد؟

ربما تعوّد سكان سيدي بوزيد على ذلك المجسم الفني الذي يروي حادثة انتحار محمد البوعزيزي حرقا يوم 17 ديسمبر 2010 لتقوم بعدها بأيام ثورة تعم أرجاء البلاد لذلك هم يرمقون كل زائر متأمل لذلك المجسم بفضول كبير وتلمح أحيانا نظرة استغراب من هؤلاء "السياح" الذين يتهافتون على أخذ صورة مع "عربة البوعزيزي" الحجرية التي وضعت في قلب الشارع الرئيسي وسط المدينة...

أخذنا الفضول ونحن في سيدي بوزيد منذ أيام بمناسبة حدث ثقافي شهدته الجهة إلى الوقوف في مكان له مكانة تاريخية لكن على ما يبدو لم يعد المكان يثير حماسة أهل سيدي بوزيد لأسباب معروفة ومفهومة... فسكان الولاية مازالوا ينتظرون من الدولة المنبثقة عن الثورة حقوقهم كاملة. فمن سيدي بوزيد انطلقت الشرارة الأولى للثورة ومن هذه الولاية القابعة وسط البلاد التونسية بدأ العد التنازلي كي يستعيد الشعب التونسي حريته بعد عقود من الحكم الديكتاتوري...لكن وبعد مرور ما يقرب من ست سنوات على الثورة لم تتحقق الوعود ولم يقع تجسيم الشعارات ولا المطالب بالكرامة. استحقاقات الثورة مازالت مؤجلة والحال إذا ما اعتقدنا في كل الروايات التي سمعناها على لسان من تحدثنا إليهم هناك أصبح أكثر صعوبة. المشاكل العقارية مازالت موجودة والمشاريع لم تنفذ والوعود خاصة في ما يتعلق ببعث المناطق الصناعية وتركيز معامل في الصناعات التحويلية الغذائية انسجاما مع الطابع الفلاحي للجهة ظلت حبرا على ورق.. أما الغضب فهو متأجج حتى وإن لاحظنا أن الناس أصبحوا أكثر واقعية بسبب خيبات الأمل التي عاشتها والولاية والبلاد ككل بعد الثورة....

فكل طرف سياسي مسك بزمام الأمر بعد الثورة إلا ووعد بمشاريع وبحل المشاكل العالقة وبإيجاد حل للفقر وللبطالة لكن سرعان ما تتلاشى الوعود في ظل فشل كل الحكومات على اتباع سياسة تنموية ناجعة وفي ظل فشل كل الحكومات المتعاقبة على البلاد بعد الثورة في إزاحة العراقيل التي تحول دون انطلاقة جديدة للبلاد يكون فيها لكل جهة نصيبها من التنمية وتجتمع فيها الحرية بالعيش الكريم...

توقعنا كما يتوقع أي زائر لسيدي بوزيد أن نجد الولاية بعد ست سنوات من الثورة وقد تغيرت حالها كثيرا فالمدينة التي انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة، المدينة الرمز من حقها على البلد أن تكون في حال أفضل وأن تتخلص من حالة الرتابة التي تكاد تسيطر عليها...لكن سيدي بوزيد لم تتغير حالها كثيرا وكذلك حال البلاد لم تتغير بعد الثورة إن لم نقل أن الحال أصبحت أتعس إذا ما تركنا جانبا فئات قليلة استفادت من كل ما يجري...

حاولنا أن نبحث عن صور البوعزيزي في المدينة (إذا ما تركنا الصورة الكبيرة التي توشح قصر الولاية) لكن الصور كانت قليلة... فالمدينة لم تنزع من ذاكرتها تلك الحادثة التي تحولت إلى علامة فارقة في التاريخ المعاصر لبلادنا ولكن الذكرى أصبحت ولأسباب موضوعية تبدو بعيدة وكأن عقودا من الزمن تفصلنا عن ذلك اليوم الذي عمد فيه الشاب محمد البوعزيزي إلى حرق نفسه أمام ولاية سيدي بوزيد في حركة احتجاجية منه على ما اعتقده ظلما في حقه لينطلق إثرها مباشرة ما يسمى بالربيع العربي...

ذكرى بعيدة ومجسم رديء

لم يبق من محمد البوعزيزي سوى ذكرى بعيدة ومجسّم فني عادي جدا إن لم نقل رديئا في شكل عربة تروي سيرة بائع الخضر المتجول الذي حرق نفسه غضبا يوم -17 ديسمبر 2010- أمام ولاية سيدي بوزيد بالوسط التونسي وأشعل تونس بالكامل وانتشرت النيران في مصر وليبيا ووصلت إلى اليمن وإلى سوريا وتسربت إلى مناطق واسعة من العالم ولا أحد يستطيع أن يتكهن متى ينطفئ الحريق ومتى يتم القضاء نهائيا على ألسنة اللهب المشتعلة تقريبا في كل مكان...

لم يبق من محمد البوعزيزي سوى ذكرى بعيدة، ذكرى شاب من داخل الجمهورية، شاب مغمور تحول فجأة إلى رمز للثورة في وجه الظلم والقهر. حينها لم يكن يشكك أحد في بطولة الفتى الذي أبهر العالم بشجاعته فقد اقدم على الموت حرقا دفاعا عن حق سلب منه ودفاعا عن كرامة اتفقت كل الروايات حينها على أنه تم الدوس عليها من شرطية صفعت الرجل وحجزت وسيلة عمله. لكن الذكرى اليوم لا يمكن استحضارها دون أن ترافقها مئات الأسئلة حول تلك اللحظة التي كان من نتائجها أن تغيرت تونس بالكامل وتغير المنطقة بالكامل وتغير العالم من حولنا.

اتخذ التونسيون اليوم مسافة من الحدث وشيئا فشيئا ذوت الحكاية وخفت بريق الأسطورة وتبين أن الناس كانوا في حاجة إلى حكاية مثل حكاية محمد البوعزيزي حتى يفسروا بها ما حدث وما حدث في تونس يوم 14 جانفي 2011 أي بعد بضعة أيام من حادثة انتحار محمد البوعزيزي لم يكن قليلا ولا بسيطا بل أقوى من الخيال.

لقد سقطت أسطورة النظام القوي الذي لا شيء يزعزعه وذهب الخوف وتحرر الناس من أغلالها. وتهافت الجميع يردد حكاية ذلك الشاب الذي دفع حياته ثمنا لحرية شعب بأكمله. تهافت الناس على حكاية الشاب الذي قام بحركة يائسة فإذا بالعالم كله تقريبا يردد صدى تلك الحركة وإذا بالجموع تنتفض في ولاية سيدي بوزيد وفي الولايات المجاورة ثم في بقية أنحاء البلاد وصولا إلى العاصمة حتى أن صوت الغضب قد هز أركان عرش نظام بن علي الذي بنى وجوده على الخوف وجعل الناس يعتقدون لما يقرب 23 عاما أن قوته لا تقهر...

لم يهتز نظام الحكم في تونس على وقع حركة البوعزيزي اليائسة فحسب بل اهتز عرش الزعيم الليبي القذافي الذي استمر أربعين عاما في حكم الجارة ليبيا وكانت نهايته مأساوية وسقط حكم حسني مبارك بمصر وقد لاح بعد ثلاثين سنة أنه حكم أبدي وسقط كذلك حكم الرئيس اليمني عبد الله صالح ووصل الأمر إلى سوريا التي تتواصل بها إلى اليوم حرب أهلية مدمرة وقد كانت كل الأنظمة في المنطقة العربية حين انطلقت شرارة ما سمي بالربيع العربي حينذاك من تونس تبدو متمكنة وقوية ولا تقهر فإذا بها تتهاوى مثل لعبة الدومينو...

 كل ذلك انتهى اليوم وخفتت جذوة ذلك الشعور الثوري الذي استبد بالناس في الأيام الأولى بعد سقوط الديكتاتورية وهروب بن علي إلى الخارج يوم 14 جانفي 2011. كل ذلك انتهى وعاد التونسيون لمجابهة الواقع حتى باتت الثورة ذكرى بعيدة وكأن مسافة زمنية طويلة جدا تفصلنا عنها وليست مجرد بضعة أعوام تفصلنا عن اليوم التاريخي الذي اهتز فيه عرش الديكتاتورية ولاح فجر الحرية...كل ذلك انتهى وعاد تقريبا كل شيء إلى وضع ما قبل الثورة ما عدا شيئا من حرية التعبير التي يصطلح الجميع تقريبا على أنها المكسب الوحيد من الثورة وهي حرية بدورها غير مضمونة للأبد ما دامت البلاد مفتوحة اليوم على كل الاحتمالات بما في ذلك الارتداد على مكسب الحريات. الواقع فرض نفسه وتتالي الخيبات بعد الثورة في جميع المجالات جعل الناس يراجعون أفكارهم ويتخلون عن الحلم المنبثق عن الثورة تحت تأثير الواقع الذي كشّر عن أنيابه.

لكن رغم تلك المسافة التي اتخذناها من الثورة ورغم إقرارنا بأن الحلم تبين في نهاية الأمر أنه كابوس وانشغل الناس بأعباء الحياة اليومية التي ازدادت تعقيدا بعد الثورة بسبب النخب السياسية الفاشلة التي فشلت في تجسيم استحقاقات الثورة و"أبدعت" في خلق الازمات حتى جعلت المواطن يشك إن حدثت ثورة فعلا ام لا في هذا البلد، برغم كل ذلك لا تستطيع أن تمر في الشارع الرئيسي في سيدي بوزيد وخاصة أمام المجسم المذكور لعربة البوعزيزي دون أن تشعر برهبة ما إن لم تكن بسبب التأثر بحركة محمد البوعزيزي في حد ذاتها فعلى الأقل تأثرا بحال الإنسان الذي مهما حاول التحكم في مجرى التاريخ فإنه يحدث له وفي غفلة منه أن يكون لعبة في يد القدر...

لكن كم هي رهيبة تلك اللحظات التي نقضيها نتأمل ذلك المجسم الفني للعربة التي انبنت حولها حكاية كاملة اجتمعت فيها الحقيقة والخيال.

 لا يكتسب المجسم الفني قيمته من جماليته ولكن مما يثيره من ذكريات تعود بنا إلى ما قبل 14 جانفي 2011. تشعر وأنت في ذلك الشارع الرئيسي بسيدي بوزيد بعيدا بضعة أمتار عن مقر الولاية أي بضعة أمتار عن مكان الحادثة أو عملية الانتحار حرقا أو الجريمة...لنسمها ما شئنا لكنها تحولت إلى علامة فارقة في تاريخ تونس المعاصر... لكم هي رهيبة تلك اللحظات ونظراتك تحدق في المكان وأنفك يكاد يستنشق رائحة الشواء ورائحة اللحم البشري يحترق وصاحبه يتلوى وجعا... قالوا أنه نادى بالمساعدة وقالوا أنه لم يكن ينوي أن يحرق نفسه وقالوا أنه تصرف تحت تأثير بعض المواد المسكرة التي شربها ولم يكن يريد أن يموت وقالوا حول سلوكه الكثير وحول علاقته بوالدته لكنه رحل وحمل سره معه... حوالي ست سنوات مرت على الحادثة، حادثة انتحار محمد البوعزيزي وها أننا نبدو وكأننا لا نعيش خارج منطقة الحكاية... ففي كل مرة نعتقد أن بلادنا ستخرج من أزمتها إلا ونعود إلى وضعنا الأول أي في مفترق الطرقات وتتهددنا العاصفة. اليوم مثلا بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية كل السيناريوهات واردة. نحن لسنا في مأمن من أي احتمال بما في ذلك الاحتمالات الكارثية...

فهل هي لعنة ذلك الشاب الذي أطلق صيحة فزع تردد صداها من سيدي بوزيد أي من عمق أعماق تونس وتردد صداها في كل شبر من البلاد أم هي لعبة القدر التي صورت لنا تلك اللحظة اليائسة بما تحمله من ألم وبؤس وشعور بالقهر وبكل ما تكتنزه من مشاعر سلبية على أنها بطولة وعلى أنها لحظة فارقة في تاريخنا؟

حياة السايب

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد