من تداعيات أزمة «بيتروفاك» : «القوة القاهرة»... وصوت تونس التائه في الأمم المتحدة.. - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Dec.
11
2019

من تداعيات أزمة «بيتروفاك» : «القوة القاهرة»... وصوت تونس التائه في الأمم المتحدة..

السبت 24 سبتمبر 2016
نسخة للطباعة

إذا صدقت التوقعات فان أزمة «بيتروفاك» تتجه إلى الحل بعد توصل مفاوضات آخر الليل التي أجرتها الحكومة مع الأطراف المعنية على تجاوز النفق المظلم و ربما التوجه إلى إلغاء الاحتمال الذي تردد بشأن قرار الشركة مغادرة جزيرة قرقنة نهائيا ..ولاشك أن في التوجه بعد ثمانية أشهر من الاعتصامات إلى تغليب منطق الحكمة والانتصار الى لغة الحوار ما يمكن اعتباره أخف الاضرار في هذه المرحلة ..وفي انتظار أن تتضح الصورة أكثر ويعلن عن فحوى الاتفاق وطبيعة الشروط التي اضطرت حكومة يوسف الشاهد قسرا للتفاعل معها والقبول بها تجنبا للأسوإ ما يفترض الاستفادة من دروس أزمة «بيتروفاك» والانصراف الى وضع النقاط على الحروف لتحديد المسؤوليات في التصعيد الخطير الذي عاشت على وقعه البلاد في الساعات القليلة الماضية والتساؤل جديا ان لم يكن بالامكان التوصل الى الاتفاق من قبل وما اذا سيكون بامكان حكومة الشاهد مستقبلا تجنب  مستنقع الابتزازات والمساومات في مواجهة ما ينتظرها من أزمات لا تقل خطورة عن أزمة «بيتروفاك» ..

 

«القوة القاهرة «..جدار تتحطم عليه امال وطموحات الشعوب الحالمة بأهداف ثورة حملت قبل ست سنوات معها عبق «الياسمين « أو هكذا خيل اليهم قبل أن تبدأ في التلاشي ونسف أوراقها التي ضاعت بين حسابات وصراعات  نخب ترفض أن تنضج والارتقاء بنفسها بعيدا عن المراهقة السياسية التي جعلتها منبوذة لدى العامة التي أنهكتها الخيبات المتلاحقة لكل من اعتلوا عرش السلطة على وقع وعود لا تنتهي ولكنها سرعان ما تختفي على رفوف وسجلات  وأرشيف الإدارات المتعاقبة... من تجار الدين وسماسرة البشر ومافيا الأوطان والشعوب يمتد الامر الى تجار الاحلام والامال الكاذبة ليس مهما أن تدمر اجيال ولكن الاهم أن تكون الفوضى سيدة المشهد ..
«القوة القاهرة» التي كانت وراء اغلاق شركة بيتروفاك توشك أن تتحول الى سند يدمر ما بقي من عجلة الاقتصاد العليل في بلادنا ولا يلزم المدين بأي نوع من التعويضات أو الالتزامات التعاقدية ...

نعم لمراجعة الاتفاقيات ولكن ..

طبعا كثيرة هي الاصوات التي رحبت وهللت واعتبرت أن بيتروفاك وأمثالها شركات استعمارية تستنزف ثروات البلاد وأنه آن الأوان لوقف التعاون معها.. وكان يمكن أن يكون لهذا الموقف سند أو قبول لو أنه ورد في سياق مختلف غير الذي تعيش على وقعه البلاد ولم يكن نتيجة استعراض للعضلات واستخفاف بمصالح البلاد والعباد أو أنه أطلق كمبادرة من نواب الشعب لإعادة النظر في العقود الكثيرة التي مرت على توقيعها عقود طويلة وقد يكون آن الأوان لمراجعتها وتحديثها وفق شعار الند للند وبما يحفظ مصالح الأجيال الراهنة والمستقبلية في التنمية والاستقرار...فمن حق الشعوب والحكومات مراجعة الاتفاقيات الموقعة في فترات ارتبطت بالاستعمار أو في السنوات الأولى للاستقلال ولم تعد تستجيب للكثير من الشروط المطلوبة التي تضمن الحقوق المشروعة وهي مطالب كان يمكن أن تستمد قوتها من نواب الذين انتخبهم الشعب..ولكن شيئا من ذلك لم يحصل وما حدث انه وعلى مدى ثمانية أشهر استمر الشد والجذب ليصل الامر الى ما وصل اليه من تمرد على الفانون واستخفاف بالمصلحة العامة واهدار للفرص واضاعة للوقت  في سيناريو يكاد يتكرر في كل مرة في أزمة الفسفاط والاسمنت أو غيرها من الازمات المستمرة والتي تتداخل فيها المسؤولية بين الحكومات المتعاقبة التي افتقرت للإرادة والجرأة  وغلب عليها التردد في حسم عديد الملفات حتى تجاوزتها الأحداث وبين المنظمات النقابية والأحزاب السياسية والمجتمع المدني وغيرها من الأطراف التي قد لا تظهر مباشرة في الصورة ولكنها تقف وراء تعكر المشهد ليصل الى ما وصله هذا الاسبوع عندما بلغ نقطة اللاعودة مع اعلان بيتروفاك مغادرة البلاد ومطالبتها السلطة بتأمين المواقع مع كل ما يمكن توقعه من تعويضات مجحفة من جانب الشركة المعنية...
ولعل ما رافق هذا الحدث الخطير من صمت مريب من جانب المسؤولين في البلاد ما دفع الكثيرين الى  التساؤل ما اذا كانت جزيرة قرقنة جزءا من البلاد أو أنها خارج السيطرة  بعد خروج تلك الجماعات التي تابع التونسيون صولاتها عبر الفيديو على المواقع الاجتماعية  تجوب شوارع المدينة مهللة مرحبة بما حدث  مبشرة بالعدالة القادمة تحت مظلة الخلافة القادمة انطلاقا من الموقع الاستراتيجي لجزيرة قرقنة على حد تعبير رضا بلحاج زعيم حزب التحرير الذي وجد في هذا الحدث على ما يبدو فرصة لاعتبار دستور الجمهورية التونسية باطلا وإعلاء صوته للمطالبة بدستور إسلامي يجمع الدول الإسلامية ويعيد اليها ثرواتها المسلوبة متوهما بأنه يعيش لحظات إطلاق مشروع إمارته القادمة ...

أين صوت الحكومة؟

المفارقة الكبرى أنه في نفس الوقت كانت أغلب القنوات التونسية تعلن أنها ستبث كلمة رئيس الدولة في الذكرى الواحدة والسبعين لأشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك ودعوته المجتمع الدولي بدعم تونس في مسارها الديموقراطي وتعزيز التّجربة التّونسيّة الفتيّة  في مواجهة التحدّيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة غير المسبوقة  التي تُهدّد تونس، في ظلّ وضعٍ اقليميٍّ متوتّر تطغى عليه النّزاعات والإرهاب.. الى جانب الدعوة التي أطلقها من على منبر الامم المتحدة للمؤسسات و الشركات الاستثمارية ورجال الاعمال للاستثمار في بلادنا والانتصار لتونس كنموذج  بل كاستثناء ًَ في منطقة محكومة بالفساد والفقر والاستبداد ..رسالة رئيس الدولة  بأن «تونس الصّغيرة بحجمها، الكبيرة بإشعاعها « وان بلغ صداها قادة العالم فانها للأسف لم تجد صدى لدى شريحة من التونسيين ممن خيروا التنافس على تحطيم أركان وهيبة الدولة ..
مقارنة ما لا يقارن مثال أخير ندرجه على وقع أحداث قرقنة الرهينة، عمدة ايطالي ينزل الى الشارع لتنظيف مدينته بعد أن حرمت أحكام البيروقراطية المقيتة بلديته من انتداب عمال لرفع الفضلات بعد انقضاء ستة أشهر على تقاعد آخر عون فيها رغم توفر نحو 150 ألف يورو في خزينة البلدية ,العمدة الايطالي انطلق في تنظيف شوارع مدينته بيديه فانضم إليه نائبه وقريب له تجنبا للاسوإ وربما تجنبا لكارثة بيئية ولتداعياتها على السكان..
 الى هنا قد يبدو المشهد الذي تداولته الصحف الايطالية أمس مشهدا عاديا في العواصم الغربية  حيث يتخلى الوزير عن أسطول السيارات الخاصة والحراس المرافقين له ويتحول الى مكتبه على متن دراجة هوائية أو يشارك مواطنيه وسائل النقل العمومي ويقف في الطابور لقضاء شأن من شؤونه أو ينضم لقوافل المتطوعين في عطلة نهاية الأسبوع  لولا أنه فرض علينا مقارنة ما لا يقارن إزاء ما يحدث في بلادنا من مشاهد تدفع بنا كل يوم أكثر الى اليأس من النخب السياسية المتعاقبة على السلطة في بلادنا .
...طبعا قد نبحث عن مثل هذه الأخبار في مجتمعاتنا فلا نجد لها أثرا في ثقافتنا حيث يتحول كل مسؤول وبمجرد تعيينه إلى شبح لا يلتقي العامة إلا من خلال المنابر الاعلامية الصماء وحوار الطرشان الذي لا يبدو أن المسؤولين في البلاد على استعداد للتخلي عن سياسة المونولوغ المفلسة التي لا يتجاوز صداها حدود مكاتب المسؤولين المحصنة ...اضافة الى غياب تام لهيبة الدولة ومؤسساتها  فيها وما شهدته الجزيرة من استعراض للعضلات  وتطاول على سلطة القانون واستخفاف وتمرد على أحكام الدستور من جانب أحد الاحزاب الذي يتجاهل انصاره أنه مدين في وجوده لدولة القانون التي لا يعترف بها ويسعى لتدميرها واعادتها الى زمن الظلامية المقيتة والجهل والافلاس الثقافي والعلمي والتنموي في كل أشكاله ..

 

اسيا العتروس

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد