العنف والتمييز سبب الداء.. والعدوى والمحاكاة خطر محدق: «وباء» الانتحار «يغتال » أطفالنا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 17 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
18
2018

العنف والتمييز سبب الداء.. والعدوى والمحاكاة خطر محدق: «وباء» الانتحار «يغتال » أطفالنا

الاثنين 4 جويلية 2016
نسخة للطباعة
العنف والتمييز سبب الداء.. والعدوى والمحاكاة خطر محدق: «وباء» الانتحار «يغتال » أطفالنا

تفاقمت في الفترة الأخيرة ظاهرة الانتحار في تونس وخاصة انتحار الأطفال فقد شهد الأسبوع الفارط أربع حالات انتحار مما يعكس حجم المشاكل والضغوطات التي أصبح يتعرض لها الطفل ويعكس كذلك استسهال عملية الانتحار كحل أبدي لـ»دفن» المشاكل..الأرقام المسجلة بصفة عامة في ما يتعلق بحالات الانتحار تدفعنا لإطلاق صيحة فزع فهل أصبح الحل اليوم في الانتحار؟..وان تعددت أشكال الانتحار فان نتيجته بقيت واحدة وهي الموت فقد تحول إلى «وباء» و»طاعون» يحصد أرواح أطفال مازالوا في عمر الزهور مازالوا يتحسسون طريقهم نحو الحياة لا يملكون لا جرأة ولا إرادة ولا دراية بـ»الشنق» و»الحرق» ولكن رغم ذلك فظروف وأسباب مختلفة تضافرت لترمي بهم في الهاوية وتجعلهم يضحون بأنفسهم هربا من مشكلة..من عنف.. من صد.. من فشل فمن يتحمل المسؤولية في ذلك؟ وهل يمكن أن نرمي بالرغبة المتنامية في الانتحار على شماعة المشاكل؟

خلال شهر جوان الجاري أقدمت فتاة لا يتجاوز عمرها 18 عاما على الانتحار شنقا في غرفتها بمنطقة قرمدة بولاية صفاقس أما جهة بوحجلة بولاية القيروان فهي تشهد أكبر عدد من حالات الانتحار خلال شهر جوان الفارط حيث أقدمت خلال الأسبوع الماضي فتاة على الانتحار وذلك بإلقاء نفسها ببئر كما أقدم تلميذ بمدينة الرقاب على الانتحار اثر رسوبه في امتحان الباكالوريا حيث قام بشنق نفسه في غرفة بمنزله.

فمسألة الانتحار ليست مرتبطة بالوعي فالطفل ليست لديه القدرة للتمييز بين الحياة والموت بل هو رهين مناخ اجتماعي كامل يتحكم في حياته وفي تصرفاته باعتباره قاصرا لذلك تتضافر عديد العوامل التي تدفع به للانتحار.

ويرى البعض أن الانتحار أصبح له قيمة رمزية باعتبار أن الثورة التونسية قامت اثر اقدام شاب على الانتحار بولاية سيدي بوزيد .

 

رأي علم الاجتماع: ارتفاع الانتحار الأنومي اللامعياري

أكد الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين لـ»الصباح الأسبوعي» أن دراسة الانتحار تعتبر من الدراسات الكلاسيكية في علم الاجتماع منذ ألّف «اميل دوركايم» كتابه الشهير عن هذه الظاهرة سنة 1897 وقد صنف الانتحار إلى ثلاثة أنواع وهي الانتحار الأناني حيث ترتفع معدلاته في المجتمعات التي يعجز فيها الفرد عن الاندماج تماما لضعف الضمير الجماعي ولسعي الأفراد لتحقيق مصالحهم الخاصة بأي طريقة يريدونها وفي صورة الإخفاق يصاب الفرد بالاكتئاب والإحباط مما قد يدفعه للانتحار، بالإضافة إلى الانتحار الايثاري وهو على عكس الانتحار الأناني ويحدث هذا النوع من الانتحار عندما يكون الاندماج الاجتماعي قويا جدا حيث يضحي الأفراد بحياتهم عن طواعية من أجل المجموعة التي ينتمون إليها كالموت في سبيل العائلة والدين والوطن أما العنصر الثالث فهو الانتحار الأنومي اللامعياري الذي يحدث عندما تضطرب ضوابط المجتمع وتتشوش القيم والمعايير التي توجه سلوك الأفراد ويعاني المجتمع تأزما على جميع المستويات ويصعب فيها الاندماج.

والجدير بالذكر أن ظاهرة الانتحار في بلادنا ليست جديدة لكنها تفاقمت بعد الثورة وتكمن الخطورة في الارتفاع الهائل لحالات الانتحار الأنومي اللامعياري والأخطر أن وتيرتها تزداد لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الخمس عشرة سنة خاصة الإناث منهم فهناك 12 طفلة انتحرت سنة 2014 من جملة 18 ويمكن تفسير تفشي ظاهرة الانتحار لدى الأطفال من خلال الإحساس المكثف بالإحباط وانسداد الآفاق وغياب الثقة في المستقبل كما أن الانتحار أصبح وباءا مرضيا مع توفر عنصري العدوى والمحاكاة كما أن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع ولديهم القدرة الكبيرة على إيذاء أنفسهم بتسليط أقصى درجات العنف على الذات وما يساعدهم على التخلص من وجودهم ضعف التأطير والشعور بالنقص والفشل الدراسي والتهميش إضافة إلى غياب الحوار بين مكونات الأسرة مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات في الاندماج والاكتئاب إضافة إلى غياب الحوار في الوسط المدرسي مع المربي وغياب أبسط ظروف الإحاطة والتأطير.

وأكد عز الدين على ضعف دور العائلة والمؤسسات التربوية ومؤسسات الترفيه ووسائل الإعلام في مقاومة هذه الظاهرة حتى لا يتأثر الطفل بنماذج الانتحار التي يراها في مجتمعه إضافة إلى وجود نزعة متنامية لدى الأطفال للتطبيع مع القتل والموت لارتفاع جرائم القتل في المجتمع والتغطية الواسعة التي تلقاها من وسائل الإعلام كما أن الطفل الذي يقضي معظم وقته في متابعة القنوات الفضائية موجهة للأطفال 75 بالمائة من برامجها ذات محتوى عنيف إضافة إلى مشاهد القتل والدمار التي تبثها القنوات الإخبارية.

الحلول

وأضاف عز الدين أن الحلول الممكنة للحد من تفاقم هذه الظاهرة هو إسراع الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة وهي إصلاح المنهج التعليمي والحد من استغلال الأطفال وسلامة بنية الطفل الصحية والعضوية والنفسية والترفيع في ميزانيات وزارتي المرأة والثقافة اللتين تعانيان من ضعف شديد واللتين يمكنهما التدخل حسب برامج مدروسة ومضبوطة لحماية أطفالنا من كل أشكال الأخطار التي تهددهم.

 

رئيس الجمعية التونسية للدفاععن حقوق الطفل لـ"الصباح الأسبوعي": التهميش وغياب الترفيه يولدان الانفجار

وفي هذا السياق ذكر معز الشريف رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل لـ«الصباح الأسبوعي» أنه حسب ما تمت ملاحظته ومتابعته من حالات انتحار في المدة الأخيرة فان أغلبيتها تتعلق بأربعة أسباب رئيسية وهي انتشار ظاهرة العنف المسلط على الأطفال سواء وسط العائلة أو في الفضاء التربوي أو في الشارع فهذا العنف شديد وشديد جدا وقد تم تحديده عن طريق دراسات في هذا الصدد تم القيام بها في ولاية القيروان أين سجلت أكثر حالات الانتحار وإحصائيات تؤكد ارتفاع نسبة العنف المسلط على الطفل، أما السبب الثاني فهو ظاهرة التمييز بين الأطفال بكل أشكاله من خلال النوع ذكر أو أنثى وكذلك العمر فوسط العائلة مثلا لا تتم معاملة الطفل البكر مثل بقية أشقائه وكذلك التمييز بين الطفل الذي يقطن في الريف وغيره الذي يسكن المدينة وكذلك التمييز داخل المؤسسات التربوية خاصة بالمناطق الريفية بين الفقير والغني وحسب النسب كما أن هناك تمييزا على مستوى النجاح فالمتفوق دائما يعامل معاملة خاصة فيما تكون هناك نظرة دونية للتلميذ الفاشل.

أما العامل الثالث فهو انعدام وسائل الترفيه في أوساط تشهد ضغطا كبيرا على الطفل الذي لا يجد أي متنفس له فهو لا يجد أي سبيل للترفيه حتى في الفضاءات العمومية أو داخل العائلات فهناك بعض المناطق تنعدم فيها وسائل الترفيه بصفة كلية أما العامل الرابع فيتمثل في التهميش فالأطفال لا يجدون آذانا صاغية لمشاغلهم ومشاكلهم ولا يمكنهم البوح والتعبير عما يخالجهم من مشاكل وصعوبات وتطلعات ورغبات بسبب انعدام الحوار داخل العائلة وداخل المؤسسات التربوية حيث يتم اعتبار تعبير الطفل عن همومه ومشاغله وقاحة، كل هذه الأسباب والدوافع تولد انفجارا لدى الطفل مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة العنف لديه أو ينحرف ويتوجه لارتكاب سلوكات محفوفة بالمخاطر فكل مرتبك ببعضه، فالطفل يمكن أن يندمج جراء الانفجار الذي تولده هذه العوامل ضمن الجماعات الدينية التكفيرية المتشددة التي تجره إلى الإرهاب باعتبار عملية «الدمغجة» التي يخضع لها والوعود الوردية التي يحصل عليها من كونه ستصبح له سلطة لتغيير المجتمع الذي يشعره بالعزلة ويمارس عليه العنف وتكون آخر حالة من الإحباط هي الإقدام على الانتحار كما انه بقدر الحديث عن الانتحار من قبل وسائل الإعلام بقدر ما ترتفع نسبته لذلك وجب الحديث عن هذه الظاهرة باحتشام.

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد