بالمناسبة: مأساة مضاعفة... - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 18 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
19
2018

بالمناسبة: مأساة مضاعفة...

الجمعة 1 جويلية 2016
نسخة للطباعة

هل هناك أفظع وأسوأ من مأساة والد يسافر بدافع مشاعر الأبوة والإحساس بالمسؤولية لاستعادة ابنه الذي استقطبه تنظيم "داعش" الإرهابي وإقناعه بالعدول عن تفكيره بعد أن علم بوقوع فلذة كبده في يد السلطات الأمنية التركية، ولكن وبدلا من ذلك يلقى حتفه وينتهي على يد التنظيم الإرهابي ذاته الذي كان يسعى لتحرير ابنه من قبضته، ولا تنتهي المأساة عند هذا الحد ولكنها تستمر مع فصل آخر لا يقل عبثية مع تواتر الجهود الرسمية وغير الرسمية لحث السلطات التركية على السماح للابن العاق الذي تحول من طالب في الطب الى مشروع إرهابي بحضور جنازة والده.. انه الغباء البشري اللامحدود عندما يطغى على الحياة ليدمرها.

طبعا الامر لا يتعلق بمحاكمة النوايا ولكن من شأن النهاية المأساوية للطبيب فتحي بيوض وهو الذي شهدله كل من عرفه بالوطنية والإخلاص والصدق في العمل والذي ذهب ضحية الاعتداء الإرهابي الفاحش على مطار اسطنبول الدولي أن تعيد إلى السطح واحدة من اعقد واخطر القضايا التي تواترت عن الاهتمام والمتابعة نتيجة الأحداث المتواترة، وأن تدعو جديا للتساؤل عن التداعيات الخفية لظاهرة حيرت المتتبعين والمحللين للشأن التونسي وهي ظاهرة إقبال فئة من شبابنا على التنظيمات الإرهابية لاسيما تنظيم "داعش" الإرهابي الذي يبدو أنه تمكن من استقطاب عدد لا يستهان به من هؤلاء الشباب الذين يصر المسؤولون في بلادنا كلما تحدثوا عنهم على وصفهم بأنهم من الشباب المغرر بهم, وهي صفة قد لا تكون دوما في محلها وقد لا تساعد على دفع كل طرف الى تحمل مسؤوليات خياراته الكارثية.

مأساة الطبيب العميد فتحي بيوض مأساة مضاعفة لواحدة من العائلات التونسية المنكوبة التي اضطرتها محنتها بعد قرار ابنها الالتحاق بتنظيم "داعش" الإرهابي والقتال في صفوفه في سوريا فتقرر خوض المغامرة بمفردها في محاولة استعادة ابنها من قبضة التنظيم الإرهابي وإقناعه بالعدول عن هذا التوجه الخطير، مسؤولية لم تكن هينة على الأب الذي لم يشأ الاستسلام والتخلي عن إرادته في استعادة ابنه فكانت نهايته مؤلمة. والحقيقة أن عائلات تونسية كثيرة وجدت نفسها تواجه المعركة نفسها وتخوض محنتها وتقطع المسافات بين سوريا وتركيا بحثا عن أبنائها الضالين، وربما تمكن البعض من تحقيق هذا الهدف وإنقاذ أبنائهم من نهاية مأساوية وإعادتهم إلى حضن عائلاتهم أو حتى المطالبة بسجنهم في وطنهم حماية لهم ولغيرهم وهو ما لم يتحقق للطبيب بيوض الذي سبقته يد الإرهاب لتضاعف مأساة عائلته كل ذلك فيما يستمر غياب مسؤولية الدولة وتقصير السلطات المعنية في استباق الأحداث والفشل في منع الكثير من الشباب التونسي من السفر للقتال في سوريا والعراق... من مأساةالطبيب فتحي بيوض أن تعيدنا إلى مراجعة الكثير من الحقائق والتقارير التي جعلت الفقر والبطالة والظروف الاجتماعية الهشة في الأحياء المهمشة وراء الدفع بالشباب إلى الارتماء في أحضان الجماعات الإرهابية واللهث خلف إغراءاتها المالية الكثيرة وهذا ليس سوى جانب من الحقيقة، فالفقر ليس دوما الدافع لكل أمر مشين، ولا نخال أن ابن الدكتور الراحل فتحي بيوض الذي هرب مع صديقته واختار "داعش" على وطنه وعائلته يعاني من الفقر أو الحرمان أو التهميش أو الحقرة، والأرجح أن العكس هو الأصح وأن أمثال ابن الطبيب كثر بدورهم، وهو ما تؤكده التقارير الدولية التي تشير إلى اهتمام الجماعات الإرهابية بالشباب الجامعي الذي يتميز بالمهارات في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة جسر التواصل الأفضل لتهديم الأوطان وطريقة الاستقطاب العابرة للحدود لهذه التنظيمات في ملاحقة وقنص الشباب الذي غالبا ما يفتقر للحصانةالكافية والوعي الذي يجنبه السقوط في فخ هذه الجماعات من سماسرة الدين وتجار الأوطان.

الطبيب التونسي فتحي بيّوض الذي قتل في اعتداء إسطنبول، حضر إلى تركيا للعودة بابنه المسجون هناك والأرجح أنه تحصل على معلومات بشأن مكان وجود ابنه فأراد التعجيل بلقائه , وإذا صدقت الرواية بشأن وجوده في المطار لاستقبال زوجته التي التحقت به فان ذلك قد يؤشر إلى اجتهاد العائلة في محاولة إقناع الابن بالتخلي عن طموحاته الداعشية الوهمية التي حطمت عائلة... فهل أخطا العميد بيوض عندما ترك ابنه يسافر ربما دون علمه أم أنه أخطا عندما حاول الالتحاق به لإنقاذه... الأكيد أن الحقيقة الوحيدة المعلومة هي غياب مسؤولية ودور الدولة في رصد وتطويق ظاهرة استقطاب الشباب الذي جعل سوريا وجهة له...

اسيا العتروس

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة