المفكر ورئيس بيت الحكمة عبد المجيد الشرفي يتحدث لـ"الصباح": ضاع صوت المثقف في خضم وفرة المعطيات والمواقف في المواقع الاجتماعية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 25 سبتمبر 2020

تابعونا على

Sep.
28
2020

المفكر ورئيس بيت الحكمة عبد المجيد الشرفي يتحدث لـ"الصباح": ضاع صوت المثقف في خضم وفرة المعطيات والمواقف في المواقع الاجتماعية

الجمعة 10 جوان 2016
نسخة للطباعة
المفكر ورئيس بيت الحكمة عبد المجيد الشرفي يتحدث لـ"الصباح": ضاع صوت المثقف في خضم وفرة المعطيات والمواقف في المواقع الاجتماعية

 حوار: علياء بن نحيلة-

الدكتور عبد المجيد الشرفي هو أحد أبرز الباحثين والمفكرين التونسيين في دراسة الفكر الإسلامي وعلاقته بالحداثة، وهو من دعاة قراءة الموروث الديني الإسلامي اعتمادا على المناهج الحديثة للبحث العلمي. وقد كتب في هذا المجال الفكري الحضاري الاسلامي مؤلفات مثل «الإسلام بين الرسالة والتاريخ» و»مرجعيات الإسلام الحديث» و»الإسلام والحداثة» وصدع برأيه وقال ان الاسلام السياسي مضطر الى التطور والى نبذ كل ما يتعارض مع مقتضيات حرية الضمير والمساواة بين الجنسين وبين جميع المواطنين بصرف النظر عن خياراتهم العقائدية والدينية. وقد بينت الاحداث التي تعاقبت على الشعب التونسي الحاجة الى ما ذهب اليه في كتاباته ولعل ما اتخذ من قرارات في مؤتمر النهضة الذي انعقدمؤخرا دليلا قاطعا على معرفة هذا المفكر بتاريخ تونس وميولات أهلها وخصوصيات حضارتها.. الدكتور عبد المجيد الشرفي انتخب في نهاية 2015 لرئاسة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة»، ويعمل حاليا على مزيد النهوض بخدمات هذا المجمع وتقريبه من المجمعين ومن طالبي المعلومة والمعرفة. الصباح التقته وتحدثت معه عن جديد بيت الحكمة وعن وضع المثقف التونسي وما يكال له من اتهامات وعن تراجع دور الاسلام السياسي وتقلصه وعن الوضع العام في تونس بعد 2011 فكان الحوار التالي..

* الأكيد أن من انتخبوك انتظروا منك الكثير من العمل النوعي لإرجاع ألق بيت الحكمة وإشعاعها فهل صعبوا عليك الأمور؟

- منذ ألح علي الزملاء لأترشح وأمكن المجمع من تجسيم الاهداف التي وضع من اجلها قانون 2012 وأنا احاول ان يكون هذا التجسيم في اتجاهات مختلفة اولا بتمكين الاقسام في نطاق المجمع من العمل بالتعاون مع الاقسام الاخرى لان تضافر الاختصاص في المجمع امر مهم في نظري وسيكون ذلك التعاون والمشاركة في انشطة المجمع بصفة عامة لكل المجمعيين وسيكون عن طريق الانجاز والموسوعة التونسية المفتوحة.

لقد نشر المجمع منذ سنوات موسوعة تونسية ورقية في جزأين فكانت محل نقد من قبل عديد الاطراف وهذا النقد كان مشروعا في كثير من الحالات وما نسعى إلى القيام به هو انجاز موسوعة على الانترنيت أولا نظرا الى قلة اقبال الشباب على المراجع والمصادر الورقية ثانيا لان نشر الموسوعة على الانترنت يمكن من ان تضاف لها فصول جديدة باستمرار حتى تشمل اوسع ما يمكن من الميادين المتعلقة بتونس حضارة وتاريخا وجغرافيا واقتصادا وإعلاما ومدنا وقرى..كل هذا يبرر تسميتها بالموسوعة التونسية المفتوحة وهذا الانفتاح يعني انها تقبل المساهمات من خارج اعضاء المجمع اذا ما كانت علمية موثقة. ووظيفة المجمعيين إذّاك لن تكون الرقابة بل ضمان القيمة العلمية لما ينشر فيها.

وقد وصلت هذه الموسوعة الى مرحلة الاعداد الفني وإذا ما وصلنا الى وضع محرك البحث المناسب وتم فض المشاكل التقنية فإننا سنعلن عن بداية تأثيث هذه الموسوعة..هذا إلى جانب النشاط العادي للمجمع وهو المكان الافضل لتقديم النظريات الجديدة والاكتشافات نظرا الى ما يتوفر عليه من كفاءات في اختصاصات متعددة والى انفتاحه على الكفاءات التي هي خارج المجمع.

* تقلص دور المثقف في تونس ولم يعد رأيه يحظى بالأهمية بل بالعكس أصبح يتهم بالارتزاق وتقديم الخدمات المجانية؟

-دور المثقفين اليوم وفي المستقبل في تونس كما في كل البلدان منذ الثورة الرقمية اصبح مغايرا لدورهم قبل هذه الثورة. كان المثقفون من القلائل الذين يتاح لهم التعبير عن آرائهم وإذن فهم يؤثرون في الرأي العام وفي الخيارات السياسية والاجتماعية وغيرها..أما اليوم فان صوت المثقفين يضيع في خضم وفرة المعطيات والمواقف في مواقع التواصل الاجتماعي.. ورغم ذلك فمسؤولية المثقفين انهم يمثلون ضمير الامة نظرا الى مواقفهم النقدية والى انهم مبدئيا على الاقل غير مشاركين مشاركة مباشرة في الصراعات السياسية والسعي الى الحكم..ولئن وجد في تونس وفي غير تونس مثقفون مرتزقة فإنهم لا يمثلون إلا اقلية لا يمكن ان نقيس عليها مجموع هذه الفئة ومن الطبيعي ان المثقف اذا مارس الحكم يفقد صفته مثقفا حال ممارسته الحكم.. صحيح ان عصرنا يشهد ازمة قيم وان الجري وراء تكديس الثروة المادية غلب على سائر القيم ولكن رغم ذلك فإننا نشهد اليوم وعيا بحاجة المجتمعات المعاصرة إلى مشاريع مجتمعية تمكن من التقدم وتوفر للشباب امكانية التحمس لانجاز ما به يحققون ذواتهم ويفيدون مجتمعهم في الوقت ذاته.

* في خصوص العلاقة بين الحداثة والإسلام السياسي هل تطورت حركة النهضة بما فيه الكفاية لكي يصح انها لم تعد تنتمي الى ما يسمى بالإسلام السياسي والذي يشمل بالفعل حركات بعيدة جدا عن بعضها البعض؟

-لا شك أن الإسلام السياسي في تونس يعيش مخاضا جديا بالنسبة الى الفترة التي كانت فيها الوثوقية والطاعة العمياء سيدة الموقف.. انه في تواصل القول بان المجتمع التونسي في حاجة الى الدعوة ان كانت هذه الدعوة موكولة الى جمعيات ومنظمات خارج هياكل الحزب نفسه فان ذلك في حد ذاته يدل على ان العقدة لم تحل بعد وان الفكر القديم مازال يعمل عمله في أذهان المسؤولين عن الحركة ذلك اولا ان الدعوة غريبة عن اهل السنة والجماعة لم تكن موجودة إلا عند الشيعة الإسماعيلية.. هؤلاء لهم دعاة معروفون ومشهورون عبر التاريخ اما الشيعة الاثني عشرية الموجودة في إيران خصوصا والشيعة الزيدية وأهل السنة فهؤلاء جميعا ليس في تراثهم ما يسمى دعوة لكننا نجد عند اهل السنة مفهوما لا يجرؤ الاسلاميون اليوم على الجهل به وهو تفاوت التكليف عملا بالتقسيم الذي عبر عنه الامام الشافعي الى مكلفين في انفسهم وهم عامة المسلمين والى مكلفين في انفسهم وفي غيرهم وهم علماء الدين بما يعني ان لهؤلاء الممثلين للمؤسسة الدينية سلطة على عامة المؤمنين ووصاية عليهم.. اذن للحكم في مدى تطور مواقف حركة النهضة فان هذا المعيار هو الاكثر دلالة على مدى التخلص من النظرة التراتبية في المجتمع إلى الايمان بالمواطنة الكاملة أي بالمساواة المطلقة التي ليس فيها وصاية لأي صنف على الاصناف ومهما كانت الذرائع على غيره.

* هل يمكن أن نقول اليوم أن الإسلام السياسي وصل الى مرحلة التقلص وانه في طريقه لأن يصبح ظاهرة هامشية؟

- مصير الإسلام السياسي رهين عاملين لا عامل واحد.. هو رهين مدى ملاءمته للأوضاع التي يعيشها الناس في المجتمع التونسي ولكنه رهين عامل خارجي عنه وهو مدى قدرة القوى السياسية المناهضة له او مجرد المخالفة له على ان تجلب نحوها جموع الشباب والقوى الحية في المجتمع..

المسألة لا تتعلق بتطورهم الداخلي.. يقوى الاسلام السياسي إذا كانت الأطراف الأخرى ضعيفة.

* قلت بضرورة الأخذ بقيم الحداثة الغربية، لكونها نتاج لكل الحضارات السابقة بما فيها الحضارة الاسلامية. هل من أمثلة للبرهنة على أن بعض القيم التي أتت بها الحداثة الغربية تجد جذورها أيضا في الحضارة الإسلامية؟

- لا يمكن لأي مجتمع مهما حاول ان يتنصل من ماضيه وعن ثقافته وهو في الحقيقة لا ينفك يعيد انتاج هذا الماضي.. الماضي ليس معطى ثابتا بل الماضي يكيف ويقرأ بحسب حاجتنا في الحاضر وهذا ما فعلته الشعوب الغربية حين اعتبرت مستندة في ذلك الى تراثها المسيحي ان اصل الفصل بين السياسي والديني هو قول المسيح «أعطوا ما لقيصر لقيصر» وواضح أن في هذا الاستنجاد بقولة المسيح توظيفا للماضي، نفس الشيء يمكن تطبيقه على المجتمعات الاسلامية التي يمكن ان تبرر هذا الفصل بين الديني والسياسي بالحديث النبوي الذي يصرح فيه الرسول «انتم اعلم بأمور دنياكم». اذن المهم ليس مدى حضور قيم الحداثة في الماضي لأنه حضور متفاوت من عصر الى عصر ومن بيئة الى أخرى،بل المهم هو مدى الايمان بهذه القيم اليوم رغم ما تمثله احيانا من قطيعة مع الماضي بالخصوص في ما يتعلق بالمساواة بين الجنسين التي هي قيمة جديدة على كل المجتمعات.

* مرة أخرى يعود الحديث عن قضية المساواة في الإرث والنص صريح فيها وهنالك حالات كثيرة تمكن المرأة من أن ترث مثل الرجل وقد تتجاوزه فلماذا نقتحم اليوم أبوابا مفتوحة عوض أن نحاول فهم النص جيدا؟

- المفارقة التي تجدها المساواة في الارث بين الجنسين هي من المواقف المشتركة بين اليمينيين واليساريين بتعلة أن الظرف غير ملائم وان هنالك اولوياتاخرى هذا مثلا كان موقف الشيوعيين اما الذين يدعون ان المساواة في الارث بين الابناء والبنات يعود إلى أمر إلهي فهذه مغالطة كبرى لعدة اسباب منها انهم يذكرون عددا كبيرا من الحالات التي اما ان المرأة ترث نفس نصيب الرجل او اكثر منه بحسب احكام الفقه الاسلامي التقليدي ومن هذه الاسباب ان اجماع المسلمين قد حصل حول هذه الاحكام ولا سبيل الى مراجعتها ومنها ان النص صريح والنصوص الصريحة وقطعية الدلالة لا يمكن عدم تطبيقها بأية حال من الأحوال وهذه الحجج واهية اولا لان قيمة المساواة لا ينبغي ان ترتبط بظرف من الظروف بل هي مبدأ عام من المفروض ان يطبّق مهما كانت الصعوبات في مجالات الحياة الاخرى اما ان هنالك حالات عديدة ترث فيها المرأة مثل الرجل او اكثر منه فان هذه الحالات وان كانت موجودة إلا انها شاذة وقليلة بالنسبة الى القاعدة العامة التي هي ارث البنات والأولاد لآبائهم وأمهاتهماما اذا اعتبرنا ان الاجماع قد حصل حول تطبيق الاحكام الفقهية المتعلقة بالإرث فينبغي منطقيا ان نطبق الاحكام الفقهية الاخرى التي لم تعد ملائمة لقيم عصرنا مثل قطع يد السارق او جلد الزانية ولو عدنا الى النص القرآني لرأينا أن «الأحكام» الواردة فيه إنما كانت حلولا لأوضاع ظرفية بدليل انها لو طبقناها حرفيا لاستحال تطبيقها مما دعى الفقهاء الى الاستنجاد بما يسمــى «العول» ويتمثل في توزيع التركة بطريقة تكون فيها الأنصبة دون ما ينص عليه القرآن حتى لا يكون مجموعها اكثر من التركة ذاتها ومن الادلة على ان الفقهاء تصرفوا في النصوص القرآنية بحسب قيم عصرهم لا بحسب مدلولات تلك النصوص في حد ذاتها ان الامر بالوصية قد ورد بصيغة «كتب عليكم» أي أن الأمر الهي هو بحرية الموصي المطلقة فإذا بالفقهاء يبتدعون حديث لا وصية لوارث «ويعتبرون ذلك الحديث ناسخا للآية القرآنية اما بالنسبة الى ان للذكر مثل حظ الانثيين فقد كان مجرد توصية لا أمرا إلهيا: "يوصيكم".

* ألا يساهم الخوض اليوم في قضية المثلية الجنسية وإمامة المرأة للرجال والمساواة في الإرث في تخريب مفهوم الأسرة؟

- ليس هنالك تشابه في هذه القضايا الثلاث إلا من الناحية الشكلية اما في الجوهر فهناك ما يخص ويتعلق بالحياة الخاصة ولا دخل للمجتمع فيه مثل المثلية الجنسية وما هو متعلق بالحياة العامة وبالحقوق الاساسية مثل المساواة في الارث .اما امامة المرآة في الصلاة فإنها رهينة تطور الذهنيات في المجتمعات الإسلامية كما في المجتمعات التوحيدية الأخرى ولهذا نجد الانقليكان والبروتستان عموما يقبلون أن تتولى المرأة الوظائف الكنسية التي لا تقبلها الكنيسة الكاثوليكية وحتى من بين الكاثوليكيين من يدعو إلى المساواة في هذا المستوى ايضا.

* تبعا لكلالمشاكل التي تمر بها تونس يرى البعض أن ثورتها فشلت وان وضعها قد يزداد سوءا.

-لا اعتقد ان الثورة التونسية فشلت لان الثورة اذا اخذناها بما حصل من قلب نظام دكتاتوري بهبة شعبية فإنها قد نجحت اما اذا ما اعتبرنا ان الثورة هي تحقيق كل الشعارات التي رفعت فيها فلا شك ان تجسيد هذه الشعارات على ارض الواقع يلاقي صعوبات جمة وهي على كل حال صعوبات متوقعة لان الثورات تمزق نسيجا اجتماعيا معيّنا وقد كان قبل الثورة قائما على الخوف وعلى الطاعة ليعوضه نسيج اجتماعي جديد يقوم على المواطنة وهو امر بطبيعته لا يتم بسرعة بل يتم بالتدريج والممارسة التي فيها الخطأ والصواب. ومن جهة اخرى فان غياب الحياة السياسية في الاربعين سنة الماضية خلق فراغا في التكوين السياسي للشباب هؤلاء الشباب الذين لم يعرفوا إلا الخصومات الإيديولوجية والذين هم اليوم في الصفوف الاولى سواء في الحكم او في المعارضة ومازالوا يفكرون في نفس الاسس التي تربوا عليها بعيدا عن عقلية الشباب وعن مقتضيات الحياة السياسية العصرية .اذا ما كان هذا التحليل صحيحا وقارنّا وضع بلادنا بالبلدان المشابهة لنا والمحيطة بنا فإننا يمكن ان نكون متفائلين رغم التعثر في مقاومة الفساد ورغم الصعوبات في الاستثمار ومن الناحية الامنية.

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة