الطفولة الجانحة والانتحار.. من الأسباب إلى استراتيجيات التدخل - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 22 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
23
2018

ندوات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسـات بالتعاون مع «دار الصّباح»

الطفولة الجانحة والانتحار.. من الأسباب إلى استراتيجيات التدخل

الأحد 27 مارس 2016
نسخة للطباعة
- تضخيم هذه المسائل واستعمال الإثارة عند نقل وتغطية حالات الانتحار لدى الأطفال له مفعول سلبي - انتحار الأطفال مهما بلغت خطورته يبقى انحرافا سلوكيا يبعث على الانشغال ويستدعي منا الانتباه له

 تجاوبا مع الاهتمام المتزايد بوقاية الطفولة التونسية من مخاطر الانحرافات السلوكية التي أصبحت تتهددها وفي مقدمتها الجنوح والانتحار خصص المركز العربي للبحوث ودراسة السياسات يوم الجمعة 4 مارس بمقره بتونس مائدة مستديرة حول هذا الموضوع بعنوان «الطفولة الجانحة والانتحار» دعا إلى تنشيطها نخبة من الأساتذة والأخصائيين وحضرها إلى جانبهم جمهور من المهتمين أثروا النقاش بتدخلاتهم.
   تولى تسيير الأشغال وزير التربية السابق الأستاذ فتحي جراي بينما شارك في التنشيط المندوب العام لحماية الطفولة أنيس عون الله والمديرة العامة لمرصد الإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات حول حماية الطفولة الأستاذة سارة الحطاب والأستاذ عبد الستار السحباني أستاذ جامعي و باحث في علم الاجتماع بالجامعة التونسية بالإضافة إلى  الأستاذ معز بن حميدة المختص في الخدمة الاجتماعية.

 

* دوافع جنوح وانتحار الطفل
افتتحت أشغال المائدة بمداخلة فتحي جراي و الذي أثار الأسباب التي تدفع الطفل إلى الجنوح والانتحار وهل يمكن اعتبار هما ملاذا لتحقيق الذات من خلال إعدام الذات وما هي الرسائل التي يسعى الطفل المقدم على الانتحار توجيهها من خلال الفعل الانتحاري واختيار هذه السلوكيات المنحرفة عموما والآليات الكفيلة بوقاية الطفولة في هذا المجال فضلا عن سبل تطوير منظومة حماية الطفولة ودور الأسرة والمدرسة وإصلاح التشريعات ذات الصلة والنهوض بمنظومة القيم الاجتماعية.
ففي هذا السياق أشار الأستاذ فتحي جراي إلى ان صفة الطفل تطلق في القانون التونسي على شريحة الأطفال من الولادة الى سن الثامنة عشر  مبينا ان الأطفال يمثلون 30 بالمائة من السكان في تونس أي حوالي مليون ونصف بحيث ان الاستثمار في الطفولة هو استثمار في التنمية وفي المستقبل. ولاحظ ان عدد حالات الانتحار في البلاد التونسية في صفوف الأطفال وصلت حسب الإحصائيات الموثقة الى 52 حالة سنة 2015 بزيادة كبيرة مقارنة بسنة 2014 بينما عدد محاولات الانتحار تفوق عدد حالات الانتحار بثمانية مرات . وقال ان هذا العدد لحالات الانتحار لا يجعل من انتحار الأطفال عندنا ظاهرة اجتماعية بالمعنى العلمي للكلمة كما يحلو للبعض توصيفها بخلاف جنوح الأطفال الذي يشكل ظاهرة.وأضاف انه مع ذلك فان انتحار الأطفال مهما بلغت خطورته يبقى انحرافا سلوكيا يبعث على الانشغال ويستدعي منا الانتباه له والاهتمام به بالنظر الى الشريحة العمرية التي يتعلق بها  وهي شريحة الأطفال.
* حماية الأطفال
فلاحظ أن الأطفال يمثلون بالفعل ثروة بشرية هامة في تونس غير انه مع الأسف نحن الآن في طور نتفنن فيه بإهدار الثروات الوطنية.وأشار الى مساهمة وسائل الإعلام في بروز الاهتمام الجماعي بانتحار الأطفال جراء تطرق الإعلام  المتزايد له ونقله المنتظم لحالات الانتحار التي تحصل في البلاد بالكثير من التفاصيل ونشر التقارير والإحصائيات بشأنه. وقال عن أسبابه إننا نعيش في مرحلة يهيمن عليها العنف حسبما تؤكده الإحصائيات وقد رصد هيكله 52 حالة انتحار لدى الأطفال سنة 2015. وشدد على ضرورة إحاطة حالات الانتحار لدى الأطفال بالتدخلات المناسبة من طرف المصالح الإدارية  كالتدخلات التي تقع مثلا عند اكتشاف حالات إصابة بالسل في بعض المدارس لكن مثل هذه التدخلات ما زالت غائبة في حالات الانتحار لدى الأطفال بينما هي ضرورية للغاية قصد حماية الأطفال الآخرين من تقليد الفعل بعد ان أثبتت المعطيات ان التقليد من ابرز الدوافع على الانتحار لدى الأطفال وان هناك الانتحار بالتقليد نتيجة إظهار الطفل المنتحر في مظهر البطل الذي هان عليه إعدام ذاته لرد الاعتبار لنفسه ولأسرته أحيانا حيث ان بعض المنتحرين يقدمون على هذا الفعل لحمل السلطات على الإحاطة بأسرهم المعوزة ومساعدتها بطريقة أو بأخرى.
كما انتقد الأستاذ عبد الستار السحباني في ذات الإطار تردي المحيط والشارع الذي ينمو فيه الطفل وتراجع دور  الأسرة وتقهقر مكانة المدرسة في المخيال الجماعي والتباعد بين الطموحات والإمكانيات.ولاحظ ان حالات الانتحار لدى الإناث في صفوف الأطفال هي ضعف حالات الانتحار لدى الذكور بخلاف الانتحار لدى البالغين فان عدد حالات الانتحار من الذكور في صفوف البالغين هي ضعف حالات الانتحار من الإناث بالإضافة الى أن انتشار الانتحار لدى الأطفال يختلف من جهة الى أخرى ومن وسط الى آخر مع انه موجود في الأوساط الفقيرة بالأساس وكذلك في الأوساط الميسورة.
* «تعاطي اعتباطي للإعلام»
أما الأستاذة سارة الحطاب المديرة العامة لمرصد الإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات حول حماية الطفولة فإنها تحدثت عن تأثير وسائل الإعلام على الأطفال والأحداث في مجال الانحراف والانتحار محذرة من التعاطي المثير والاعتباطي لمسالة انحراف الأحداث وانتحار الأطفال وداعية الى تناول هذه المسائل وفق الضوابط القانونية وبالحرفية المطلوبة كعدم نشر صور أو أخبار عن الأطفال المنتحرين وعائلاتهم . وقالت ان تضخيم هذه المسائل واستعمال الإثارة عند نقل وتغطية حالات الانتحار لدى الأطفال له مفعول سلبي ويبعث الأطفال الآخرين على تقليد المنتحرين والاقتداء بسلوكهم فيضاعف العمليات الانتحارية خاصة عند المراهقين الذين تراودهم مثل هذه الأفكار. وبقدر التنبيه من خطر التناول المثير للانتحار لدى الأطفال شجعت الأستاذة سارة الحطاب على تناول الاعتداءات الجنسية على الأطفال والتنديد بها وفضحها وشجبها إعلاميا قائلة انه بعكس الانتحار فانه يستحسن تداول الاعتداءات الجنسية على الأطفال والحديث عنها للحد من تفاقمها وانتشارها. ولاحظت انه الى جانب الجنوح والانتحار فان الطفولة التونسية عرضة الى العديد من التهديدات الأخرى كالانقطاع عن التعليم وتنامي ظاهرة تشغيل الأطفال في القطاعات المهمشة كتشغيل الفتيات القادمات من الريف بصفة معينات منزلية الى جانب ارتفاع عدد الأطفال المودعين بمؤسسات الطفولة بسبب استقالة الأولياء والرجوع في التبني والكفالة وهجرة الأطفال خلسة الى الخارج وتنامي ظاهرة أطفال الشوارع وتنامي العنف المسلط على الأطفال مثلما يبرزه ارتفاع عدد الإشعارات بوجود أطفال في حالة خطر.
   وقالت ان الطفولة تحتاج إلى رعاية خاصة وتفهم خاص للمشكلات المميزة التي تواجهها بالإضافة إلى أنها فئة هشة تتأثر كثيرا بالتحولات الاجتماعية المتسارعة التي تعيشها بلادنا فينبغي القيام بتدخلات نوعية لفائدة الطفولة تناسب خصوصيات هذه الشريحة ومشاكلها.
* دور الاسرة والمدرسة
بالنسبة للأستاذ معز بن حميدة فقد اعتبر انه بالرغم من ان انتحار الأطفال لا يرتقي الى الظاهرة بالمعنى العلمي إلا أن العدد المسجل سنة 2015 بخصوص حالات الانتحار في بلادنا وهو 52 حالة فانه عدد مهول في نظره ويبعث على الانشغال والتفكير المعمق حول مؤسساتنا التنشيئية المكلفة بتربية الأطفال وهي الأسرة والمدرسة وتراجع دورها بسبب الشوائب الكثيرة التي تعتريها.
   واستعرض نتائج بحث ميداني آجراه حول أسباب الهجرة للخارج ولأوروبا بالذات لدى الشباب التونسي فقال ان أهم سبب هو عدم الرضاء  بالأسرة حيث صرح به نصف المستجوبين وكذلك عدم الرضاء بأداء المؤسسة التربوية بينما صرح المستجوبون بخصوص القيم التي تدفعهم الى الهجرة ان أهمها هي المجازفة والإصرار والسفر والسرعة. وأشار الى تنامي مشاكل الأسرة والعوز الأسري واليأس والإحباط بوصفها أسباب لكل هذه السلوكيات الخطيرة ملاحظا انه بالنسبة لحالات الانتحار لدى الأطفال وبشكل عام فانه يمكن تفسيرها بالضغط النفسي وعدم الاستقرار والملل والشك .وقال ان أكثر ما يسيطر على المنتحرين من الأطفال والمراهقين حالات الخوف والاكتئاب وغياب تصور مشروع حياتي واضح للمستقبل  فلذلك فان العوامل متعددة ومتداخلة وتتضافر كلها لتسلط ضغطا كبيرا على الطفل يعجز على تحمله فينفجر ويقدم على الفعل الانتحاري خاصة أمام قصور المنظومة التربوية على توفير الإحاطة المناسبة له فينمو عنده الشعور بالإحباط ولا يجد من يقاسمه همه فينتحر.

 

كلمة الملحق

 

يخصص المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات . تونس العدد الثالث من هذا الملحق للطفولة الجانحة و الانتحار فمن خلال  مائدته المستديرة  وورقات المساهمين فيه  ترسم صورة  دقيقة لوضع الطفولة  و لكن سعينا قد الإمكان ان نبتعد عن التهويل أو الإثارة كما حرصنا أيضا على ألا  نكتفي بالتشخيص بل ذهبنا إلى اقتراح سبل التجاوز من زوايا و مقاربات مختلفة.
و هو لا يستجيب إلى مجر تنامي الطلب الاجتماعي على معرفة ما يقع لأطفالنا فحسب بل يستجيب إلى رغبة متنامية في تحصين أطفالنا من كل تلك النزعات المدمرة .
هل مثل الأطفال منسيي الثورة التونسية؟ ة ربما كان الأمر كذلك  إذا ما أخدنا بعين الاعتبار أمرين اثنين برزا بعد الثورة بشكل لافت :  الأمر الأول يتعلق بهيمنة ثقافة كهولية تقدم نفسها على أساس أنها وصية على استحقاقات الثورة  خصوصا العاجلة منها على غرار حقوق الإنسان و الديمقراطية و التشغيل وهي لا تعني بشكل مباشر حسب اعتقادها  إلا الشرائح العمرية التي هي « أكبر من الطفولة» و أما الأمر الثاني فهو تواصل  المقاربة التقليدية للطفولة إلى حد ما التي تعتبر الأطفال شريحة أو على الأصح  قطاعا  خاصة  لا يتناول إلا وفق مقاربة قطاعية’.
بعيدا عن الإثارة و وإقامة الفزاعات المضللة  علينا أن نقر أن وضعية الطفولة في بلادنا  محيرة بل مثيرة  الانشغال  على الرغم من تراثنا الحقوقي و المؤسساتي الرائد في هدا المجال  إذا ما نزلنه في سياقنا في سياقنا الإقليمي ( الحق في الهوية، الحق في العائلة،  حقوق الدراسة، منع التشغيل ، السن الدنيا للزواج ، ) و لكن كما يقل ميشال كروزي عالم الاجتماع الفرنسي فان القوانين و الأوامر ر لا تغير بمفردها  المجتمعات. فما وراء النصوص  القانونية و المؤسسات ما زالت تقبع جملة من الممارسات الاجتماعية المترسخة  التي تكرس بدورها  أشكالا من  إهمال الطفولة التي  لا يعد  العنف المسلط عليها سوى مؤشر بسيط عن وضع هو في الحقيقة اخطر من ذلك بكثير.
ربما يكون مدخل التدارك هو الاعتراف بأن الأمر بنيوي في أساسه  و أن الأسباب متعددة و مركبة و أن اتهام السياسات العمومية  وحده فيه اختزال كبير. فالعائلة التونسية في مجرى عبورها المرتبك و المضن من عائلة تقليدية إلى عائلة نووية حديثة لم تعط الطفل بما مشروع فرد المكانة التي تسحق. يؤكد انتروبولوجيا العائلة  أن الطفل هو أخر الكائنات الإنسانية التي تناسلت فالطفولة مقولة حداثية بامتياز لقد ولد الطفل بهدا المعنى  بعد الرجل و المرأة  و العائلة  فالي حد عقود خلت لم تكن منظومة الإحصائيات تعد الأطفال فضلا عن اغفال حاجاتهم الخاصة على غرار الغرف و الأسرة و الكتب و الخ ( سينما الأطفال، أدب الطفل الخ )   لقد اعتبرته  الثقافات التقليدية كائنا غير مكتمل فهو كهل مع تأجيل التنفيذ.
تمتد أشكل إهمال الطفولة في مجتمعنا حاليا متعددة  تمتد من  إغفال حاجاتهم العاطفية و النفسية ( على غرار الجفاء العاطفي و انعدام التواصل ) إلى القتل  ومع ذلك  علينا أن نقر أيضا أن مجتمعنا لم يشهد شيوع ظواهر اجتماعية على غرار أطفال الشوارع و تشغيل الأطفال و الاتجار بهم  لتظل  في نهاية الأمر محدودة يحاصرها القانون و الضمير الجمعي.
ربما نحتاج إلى  مزيد النصوص التشريعية حتى نحصن مجتمعنا من مثل تلك الأعراض  ومع أهمية مثل هده المبادرات  فعلينا أن نعترف أن هذا الأمر غير كاف لذلك فان مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأولية منها أو الثانوية على غرار الأسرة و المدرسة و الإعلام  تتحمل العبء الأكبر في تغيير نظرتنا وممارستنا تجاههم . مزيد من دسترة حقوق الطفل ليست الضامن في ما ننشده. هناك مجتمعات لا تحتوي دساتيرها على أشياء خاصة بالأطفال و لكنها تقدم نموذجا دنيويا « لجنة الأطفال».
لا شك أن مجلة حماية الطفل و مؤسسات، مثل المرصد الوطني و المندوبية العامة المكلفتين  تباعا بالرصد و التوثيق  و حماية الطفولة، تلعب دورا متقدما في تشخيص الحقيقة و اقتراح سيل النهوض  لمنح جنوح الأطفال و إقدامهم على محاولات وضع حد لحياتهم .لكن علينا أن نتحمل مسؤوليتنا  جميعا فاستجابتنا تجاه ما حدث في السنوات الأخيرة من تجاوزات في حق الطفولة ( إهمال الأطفال في مؤسسات الرعية التي وصلت حد الوفاة  الاعتداءات الجنية عليهم الخ)    لم تكن في المستوى المطلوب رغم ما  شهدنا من حالة التعبئة المواطنية  أما حالات الانتحار فلقد شكلت جرس إنذار علينا أن نعي خطورته  لقد خلق الأطفال ليحيوا و موتهم لأسباب صحية فضلا على الانتحار سيكون وخزا دائما في ضمير المجتمع.
لوحة  الطفولة رمادية و لكن  علينا أن ننسب المسالة  فالوضع صعب و لكنه ليس  بالكارثي.

 

مهدي مبروك

 

* حين يصبح الانتحار وسيلة للفت النظر
  آخر المتدخلين كان  مندوب حماية الطفولة أنيس عون الله الذي أكد ان التوصيف الرسمي للطفل الجانح والمنحرف هو طفل في نزاع مع القانون ملاحظا ان الانتحار لدى الأطفال موجود من قبل ولكن لم يكن يحظى بالأهمية حيث كانت ترد على مندوبيات حماية الطفولة إشعارات بحالات انتحار للأطفال من المستشفيات وما تغير حاليا هو ان وسائل الإعلام أصبحت تتحدث عن حالات الانتحار لدى الأطفال وتنقلها ورغم ما يثيره التعاطي الإعلامي مع المسالة من جدل فان الإعلام ساهم بقسط كبير في الاهتمام بحماية الأطفال من المخاطر التي تتهددهم. وعن الأسباب قال الأستاذ انيس عون الله ان هناك من يبحث على الانتحار لدى الأطفال لتحسين وضعية أسرته بحيث ان الانتحار أصبح وسيلة للفت النظر للوضعية الصعبة للأسرة  وحمل المسؤولين على العناية بها وهو في هذه الحالة نوع من الابتزاز العاطفي. كما أشار الى التقليد فقال ان انتحار الطفل قد يدفع بأشقائه وأقاربه ومعارفه من الأطفال بتقليده والسير على منواله بالإضافة الى الانتحار المتصل بالتهديدات المتعلقة بالاستغلال الجنسي للطفل من الجنسين والصراع بين الأبوين والطلاق .
بخصوص الأطفال الذين هم في نزاع مع القانون ذكر الأستاذ انيس عون الله ان الأسباب كثيرة أيضا وبعضهم ينتمون الى عائلات ميسورة لان هناك منهم من يريد ان يفرض نفسه بهذه الصورة وهناك كذلك من أسباب هذه الانحرافات السلوكية الإعاقة والتخلف الذهني. وقال الأستاذ انيس عون الله ان البعض من المنحرفين من البالغين يستعملون أيضا الأطفال لارتكاب أفعالهم الإجرامية كما في السرقة لاستغلال الحماية القانونية التي يحظى بها الأطفال في حال القبض عليهم.
بعد ذلك فتح باب النقاش و الذي دار عموما حول قضايا متصلة.و اتسمت مساهمة الجمهور في النقاش بالثراء والعمق حيث اهتم البعض بالتنبيه الى دور المنظومة التربوية في إعطاء الناشئة التكوين الصحيح الكفيل بوقايتهم من الانحرافات السلوكية.وتساءل احدهم عن المشروع التربوي الذي ينبغي علينا اعتماده حتى نحمي الناشئة والأجيال الصاعدة من الانحراف والانتحار وغيرهما من الانحرافات السلوكية عموما بينما حذر متدخل أخر من الانعكاسات السلبية لاضطراب منظومة القيم على الأطفال بالذات ملاحظا انه كلما اهتزت منظومة القيم ارتفعت حالات  الانتحار والانحراف على غرار الفترة التي نمر بها اذ شهدت المرجعية القيمية بعد الثورة اهتزازات كثيرة وفقد الناس الروابط التي كانت تربطهم بمحيطهم وببعضهم .وأشار الى ان في مدينة دوز بالجنوب التونسي سجلت العديد من حالات الانتحار جراء اهتزاز منظومة القيم المحلية تحت تأثير  السياحة الصحراوية بخلاف القرى المجاورة لمدينة دوز التي لم تدخلها السياحة الصحراوية فانه لم تسجل فيها حالات انتحار.
   وتم التأكيد على إعادة الاعتبار للمدرسة حتى تستعيد دورها التربوي وتكون فضاء تربويا وليس فضاء تعليميا يقتصر على تلقين بعض المعارف والعلوم للتلاميذ.
وأشارت متدخلة إلى وجود بعض التناقضات القانونية في التعامل مع الأطفال والطفولة  حيث يمكن حسب المجلة الجزائية سجن الفتيات اللواتي دون 18 سنة بتهمة تعاطي البغاء بينما هن ما زلن ينتمين الى شريحة الأطفال.
   في ذات السياق أعرب متدخل عن خشيته من ان يكون في عدم اعتبار انتحار الأطفال كظاهرة تشجيع للسلطات ومختلف الأطراف الأخرى على إهمال الاعتناء بالمسالة بالقدر المطلوب ملاحظا انه لا يرى مانعا في اعتبار انتحار الأطفال ظاهرة خاصة وان المؤسسات المعنية ليس لها قواعد وبنوك معطيات مضبوطة. كما أشار الى عدم وجود ما اسماه بمرافق الملاصقة و القريبة للوقاية من الانتحار لدى الأطفال مشددا في هذا المعنى على ضرورة توفير المرافقين النفسيين والاجتماعيين على الميدان حتى يتدخلوا مباشرة وباستمرار للوقاية من حصول الانتحار والانحرافات السلوكية عموما لدى الأطفال فيسندون بعملهم المجهودات المبذولة في مستوى مؤسسة مندوب حماية الطفولة ولا سيما ان تدخلات مندوب حماية الطفولة تسير وفق بعض الإجراءات وتتوقف على الإشعارات..

 

* إجابات متفرقة

 

تعقيبا على ملاحظات الجمهور ذكر الوزير السابق للتربية الأستاذ فتحي جراي منسق النقاش ان وزارة التربية كان لها مشروع لانتداب 1000 مرافق نفسي للعمل في المدارس ملاحظا انه يمكن التوقي من الانتحار لدى الأطفال لان الانتحار غالبا ما يشعر عن نفسه وتسبقه مؤشرات وعلامات قد تكون جلية وقد تكون في السلوك كزهد المقدم على الانتحار في الأشياء الثمينة التي يمتلكها.
أما الأستاذة سارة الحطاب فإنها أكدت على أهمية المصطلحات التي تستعمل في هذا المجال ملاحظة ان المصطلحات القانونية لها الفضل بأنها مصطلحات مضبوطة.وأعربت مجددا عن تأييدها للتطرق للاعتداءات الجنسية على الأطفال والتشهير بها إعلاميا لمقاومتها لأنها ظلت كثيرا مسكوتا عنها مع التقيد ببعض الضوابط كما هي الحال عند الحديث عن انتحار الأطفال وقد حددت المنظمة الأممية للطفولة اليونسيف ضوابط للغرض.
وأشارت الى ما يبذله المرصد الذي تديره من مجهود لبعث بنوك معلومات حول حماية الطفولة وتحيينها باستمرار الى جانب إعداد تقارير دورية حول وضع حماية الطفولة في تونس..
وحذر الأستاذ معز بن حميدة مجددا من تحويل انتحار الطفل الى فعل بطولي فيصبح الانتحار لدى الأطفال عمل ايجابي لتحريك انتباه الرأي العام حتى ان احد الأطفال انتحر من خلال تقليد بعض انجازات بطل سينمائي خيالي. وأشار الى ان هذا التوجه ترجع  جذوره إلى انتحار شهيد الثورة التونسية محمد البوعزيزي. وتقدم ببعض المقترحات منها تجريم الاعتداء اللفظي والمادي على الطفل داخل الأسرة وخارجها وتعزيز المرافقة النفسية والاجتماعية والارتقاء بالمدرسة لتصبح فضاءا لتحقيق الذات بشكل ايجابي.
   في سياق متصل أشار مندوب حماية الطفولة الأستاذ انيس عون الله إلى انه يوجد بالفعل تعارض    بين النصوص القانونية كالمجلة الجزائية ومجلة حماية الطفل بل ان التعارض يوجد أحيانا داخل نفس النص القانوني وهناك خطة إصلاحية لتجاوز هذه الإشكالات وتحقيق الانسجام بين مختلف النصوص القانونية الى جانب تطوير قضاء الطفل كالتشجيع على العقوبات البديلة وتمكين مندوبي حماية الطفولة من زيارة المؤسسات السجنية المعنية. وأكد ضرورة العمل في مختلف المستويات لمجابهة الانحرافات السلوكية لدى الأطفال في مستوى الإعلام والأسرة والمؤسسة التربوية والمرافقة النفسية والرصد والوقاية.

 

* الطفولة الجانحة والانتحار.. من الأسباب إلى استراتيجيات التدخل: تأثير وسائل الإعلام على الطفل.. ظاهرت انحراف الأحداث والانتحار نموذجا

 

يتمحور الاشكال الاساسي حول الأسباب التي تدفعنا لطرح السؤال حول الجنوح وانتحار الاطفال ،اذ عديدة هي العلامات الدالة التي تبلور الوضع الاشكالي للطفولة في تونس ، التساؤل  بكل قوة حول الطفولة  اليوم هو تساؤل مشروع ومبررحول مستقبل تونس على اعتبار ان المستقبل يكمن في شباب اليوم كهول الغد، بشكل اخر نحو نواجه اشكالا مع مستقبلنا ، الطفولة هي استمار مجتمعي متواصل ومتجدد ، وكأننا الان غير قادرين على تجديد وتطوير وتوفير شروط ديمومة هذا الاستثمار .  لا أحد أعتقد ينكر الدور الكبير الذي لعبته الدولة الوطنية خلال الستينات ، الدولة الراعية عبر مشروعها الحداثي الهائل والذي تمحور ضمن اركانه الاساسية بوجوب الارتقاء بالانسان ، في هذا الاطار يتنزل الاهتمام بالتعليم وبالصحة الاساسية وبالسكن اللائق وبالكرامة الى غير ذلك من الشعارات التي كانت أساس انخراط التونسيين في التنمية على اعتبار كونها رافدا اساسيا في اجتثاث جذور التخلف والتأخر والانخراط في ركب التقدم وفق عبارات الخطاب السياسي . انطلقت في الحديث عن الدور الكبير الذي لعبه الفعل المجتمعي الجديد باعتباره فعل تعبوي وتاريخاني يهدف القطع مع أصول الخصاصة والفقر والجهل و الطفولة والشباب هما راس الحربة في هذا التوجه الجديد . بدون التذكير بكوننا نحن أبناء هذا المنحى التاريخي الهام وبكون الدولة الوطنية كانت الفاعل الاساسي بل والية اساسية في التغير الاجتماعي ولعل في ذلك يكمن السبب الاساسي في الانخراط الكبير في توجهات الدولة الحديثة وفي التماهي مع برامجها وتوجهاتها دون البحث في خلفياتها ودون التساؤل عن مصادر فعلها أو محاسبتها في التقصير في مجال الحريات العامة بل والعمل على عزل كل الذين رفعوا شعارات مغايرة لشعاراتها .

 

المشهد تغير بشكل جذري على اعتبار كون ابناء الدولة الوطنية أو لنقل اطفالها هم الذين طالبوها بالمزيد من الفعل من اجل فتح أفق جديدة تستجيب لانتظاراتهم وتتطلعاتهم ولعل في ذلك ما يفسر تحول الجامعة التونسية لالية من اهم اليات الاحتجاج الاجتماعي وأمام انغلاق السبل انخرطت المؤسسات التربوية والتعليمية في ازمة عميقة نعيش حاليا ابشع معالمها .
انطلق المشروع من اعتبار الطفولة متغيرا واحدا ، وعلى الدولة مسؤولية تحقيق تساوي الفرص أمام هذه الطفولة ، بالضبط كما كانت لها مسؤولية ممارسة العنف الشرعي ، نجحت الدولة ولو بشكل نسبي في مسؤولية ممارسة العنف الشرعي وفشلت في مسؤولية تحقيق تساوي الفرص أمام الطفولة ، وعليه لا يمكن الحديث عن الطفولة بشكل مطلق ، اذ لنا أنماط متعددة ومتنوعة من الطفولة ، الطفل في الريف ليس الطفل في المدينة، الطفل في الاحياء الشعبية ليس الطفل في الاحياء الراقية ، الطفل الذي ينتمي الى عائلات ذات دخل محترم ليس الطفل الذي ينتمي الى عائلات ذات دخل متدني ... التقاطعات كثيرة ومتشابكة والتعامل مع ملف الطفولة يخضع الى نفس التقاطعات والتشابكات .
من الاشكالات الهامة التي تطفو على السطح نشير الى بعضها:
- الانقطاع التلقائي عن التعليم وخاصة في المرحلة الاعدادية
- التسرب المدرسي والذي يتجاوز المائة ألف سنويا .
- تحول الفضاء التربوي والتعليمي الى محضنة تنتج العنف بمختلف اشكاله .
- تحول محيط المدرسة الى فضاء استقطاب نحو المخدرات وكل اشكال الانحراف والجنوح .
- تراجع مكانة المدرسة في المخيال الاجتماعي على اعتبار تعطل دورها في كونها مصعدا اجتماعيا واهم الية من اليات الحراك الاجتماعي .
- التحولات الهيكلية التي شملت المنظومة التربوية والتعليمية ، منظومة فقدت وظيفتها التربوية واصبحت تعليمية فحسب الشيئ الذي دفع نحو سلعنة التعليم وتحوله رويدا رويدا الى بضاعة تخضع الى اليات السوق اي العرض والطلب والمنافسة
- التغير الهيكلي الذي شمل المنظومات القيمية الاجتماعية وأفرز انتظارات اجتماعية تتجاوز بكثير الامكانات الفعلية المتوفرة والنتيجة هذا التباعد الهائل بين ما نصبو اليه والامكانات المتوفرة لتحقيق ذلك .
تغيرت اذن مسالك النجاح الاجتماعي ولم تعد المسالك التقليدية أو لنقل المسالك المتوفرة والمتعارف عليها اي المسالك المشروعة للنجاح توفر بالفعل النجاح الاجتماعي ولم تكن للدولة القدرة على لعب دور الصمام الذي كانت تلعبه في السابق بل والاخطر من ذلك ان الدولة تحولت وبشكل سريع الى فضاء مقنن للموازي ، وبرزت نتيجة لذلك نماذج جديدة لا علاقة لها بشكل مباشر بوسائط ومحاميل النجاح الاجتماعي الذي يتاسس على الكفائة والاقتدار
نتيجة لكل هذه الملاحظات تغيب او تغييب دور الدولة كالية من اليات الضبط الاجتماعي وتحولها الى الية من اليات المراقبة الاجتماعية ، في هذا المشهد بالامكان الحديث وبأشكال متعددة ومتنوعة عن نماذج الجنوح والانحراف لدى الناشئة ، هل من العادي والطبيعي أن تسجل مختلف مؤسساتنا التربوية والتعليمية خلال سنة 2015 تقريبا 18 ألف حالة عنف ، هذه هي حالات العنف المسجلة داخل فضاءات هذه المؤسسات ، خارجها ، والحالات التي كانت الناشئة أطراف فاعلة فيها تتجاوز بكثير هذا الرقم المفزع.
لقد تحولنا وبشكل سريع من نموذج أطفال في الشارع ـ الطفل الذي يعمل ويعود الى بيته ـ الى اطفال الشوارع ـ الاطفال الذين جعلوا من الشارع مأوى لهم ـ هذا بالرغم من مجلة حقوق الطفل  ومندوبيات حماية الطفولة وبرلمان الاطفال وغير ذلك من الامثلة العديدة التي نسعى من خلالها الى  صيانة الصورة الواجهة ، لماذا هذا الكم المؤسساتي لم يمكن من الحد من جنوح الاطفال وانخراطهم في فعل شبكي منظم يفتح لهم بشكل تدريجي أبواب الجريمة المنظمة؟
اخترت ولعدة أسباب تعلمونها جميعا الحديث عن مظهر من مظاهر ازمة الطفولة في وطننا ، انتحار الاطفال ، الانتحار عموما ولعدة أسباب من بينها الاسباب الدينية من المسائل التي نتجاهلها أو نعمل على عدم الحديث فيها ، أنجزنا وبامكاناتنا المتواضعة رصد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار في تونس ، لعل رقم 549 حالفة انتحار ومحاولة انتحار رقم مفزع ومخيف، الاشكال لماذا لم تناول الفعل الانتحاري بالبحث والدرس من قبل ولماذا لم تتوفر المعلومة الرسمية حول هذا الموضوع ولماذا أيضا لم تتعاون معنا الجهات الرسمية بتوفير ما يمكن توفيره من وثائق حول المسألة للبحث فيها ودراستها دراسة علمية تمكن مهندسي القرار من البت في الموضوع وفق وسائل واليات عملية ؟
المفزع حقا هو كون 10 % من الحالات المرصودة  تخص الاطفال أي الشريحة العمرية التي لم تتجاوز الـ 15 عشر سنة ، وبالنظر الى حالات الانتحار التي تم رصدها فان النسبة ترتفع الى 16 % أي 52 حالة انتحار لأطفال تتراوح أعمارهم بين الثامنة والخامسة عشرة سنة ، ما يجب ملاحظته هنا كون انتحار الاطفال لا يدخل في خانة محاولة انتحار عموما ، أي انه انتحار حاسم ونادرا جدا ما يتم اسعاف الضحية لسبب أساسي وهو كون الالية المعتمدة دائما هي الانتحار شنقا وهذه الالية لا تترك أي مجال للتدخل والانقاذ والاسعاف ، وجل الحالات التي تم رصدها كانت حاسمة وللاسف
الاشكال الاخر ، اذا كانت حالات الانتحار عموما تشمل ثلاث حالات ذكور مقابل حالة واحدة للاناث ، فبالنسبة للاطفال فقد سجلنا ثلاثة حالات اناث مقابل حالة واحدة للذكور
المعطى الاخر الاساسي والذي يدفع للتساؤل كون كل حالات انتحار الاطفال تقريبا تم تسجيلها خلال السنة الدراسية وتحديدا في فترات الامتحانات او الاعلان عن النتائج المدرسية نهاية كل ثلاثية ولم نرصد حالات انتحار اطفال خلال العطل سواءا الصيفية أو خلال السنة الدراسية
ملاحظة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها كون الفعل الانتحاري للاطفال يتكرر في نفس الفضاءات ، العلا مثلا احدى معتمديات ولاية القيروانتتصدر المكانة الاولى في هذا المجال
لم نرصد حالات انتحار اطفال في المدن الكبرى مثل تونس وصفاقس وسوسة والمنستير ونابل بالمقابل ومن خلال رصدنا لحالات العنف فان هذه المدن تبلور اشكالا مغايرة لانحراف الاطفال كالسرقة والمخدرات مثلا ، أي أن الفضاءات التي سجلت أرفع حالات انتحار للأطفال هي الفضاءات التي تسجل أشكال جنوح محدودة والعكس صحيحا أيضا .
أريد أن أشير الى الاشكال الجديدة والمتجددة لانحراف الاطفال ، لقد خرجنا تقريبا من الاشكال التقليدية ومن الاساليب المعتمدة في السابق الى اساليب أكثر ابتكارا نتيجة عديد الاسباب لعل أهمها :
عطالة اليات التنشئة الاجتماعية التقليدية في مجتمع سريع التحول.
تراجع دور الاسرة وعدم القدرة على مسايرة الديناميكا الاجتماعية الحالية نظرا للدور الكبير الذي أضحى يلعبه المحيط والضغوطات الكبيرة التي تواجهها العائلة.
الازمة العميقة والحادة للمنظومة التربوية والتعليمية والتي تخلت عن ادوارها التربوية ، الارتقاء الالي ، الزمن المدرسي ، تراجع الانشطة التربوية داخل المدارس كالنوادي مثلا عدم القدرة على مراقبة وادارة المحيط المدرسي ، لذلك لم تعد المدرسة محصنة وكأن الذي يقع في محيطها لا يعنيها بشكل مباشر.
المكانة الكبيرة والهامة للمحاميل الاعلامية الحديثة والتي فتحت مجالات فعل شبكي هام بالنسبة للاطفال وانخراطهم في مدارات جديدة للمعلومة والتواصل والفعل.
انفراط الحبل امام سلطة الاشراف ، وعليه أصبحت الحلول ترقيعية ، مثال ذلك بررامج الاصلاح التعليمي ، انها عملية متكاملة بين أطراف عديدة وما نلاحظه هو كون كل جهة تقدم مقترحاتها وتصوراتها وبرامجه دون التنسيق مع بقية الاطراف الاخرى المعنية بشكل غير مباشر أو الاطراف المتدخلة بشكل مباشر لذلك برزت مشاريع الاصلاح بشكل غير متمفصل وتفتقد للرؤيا الاستراتيجية بعيدة المدى الشيئ الذي زاد في أزمة التعليم.
الاستمرار في المعالجة الامنية لمختلف الاشكالات التي لها علاقة بالجنوح وتحميل الاسرة مسؤوليات تتجاوز بالفعل امكانتاتها العملية.
تفكك المنظومة القيمية التربوية والاصرار على ترميمها وعدم السعي الجدي على تجديدها بالشكل الذي يستجيب  للتحولات الهامةوالعميقة التي يشهدها مجتمعنا على اعتبار انخراطه في العالم القرية والفاعلين الاجتماعيين الجدد على الساحة الاجتماعية.
لكل هذه الاسباب نعتقد أن فتح استشارة وطنية حول الطفولة الجانحة مسألة أساسية ومحورية من أجل رسم خطة استراتيجية بعيدة المدى للنهوض بالطفولة يشارك فيها المجتمع السياسي بمختلف أطيافه والمجتمع المدني بمختلف تركيباته . الطفولة في خطر هو الشعار الذي يتوجب رفعه للاستعداد والاعداد للمستقبل .    

 

د. عبد الستار السحباني
أستاذ و باحث في علم الاجتماع بالجامعة التونسية

 

 

تأثير وسائل الإعلام على الطفل : ظاهرتا انحراف الأحداث والانتحار نموذجا

 

تعريف الطفولة:
الطفولة هي المرحلة التي تمتدّ من تاريخ ولادة الإنسان إلى أن يبلغ سنّ 18 سنة.
وتكمن أهمية المرحلة في أنّها مرحلة بناء الشخصية الأساسية أو القاعدية للإنسان حيث يتمّ خلالهاغرس المفاهيم والمبادئ والقيم والثّقافة وبما أنّ الطفل غير قادر على الاعتماد على ذاته فهو بحاجة إلى عناية خاصّة خلال هذه المرحلة حتّى ينشأ تنشئة سوية ومتوازنة .
لذلك يجب أن تتضافر كلّ من الآليّات القانونية والاجتماعية لحماية الطفل خاصة وأنّ عدد الأطفال بتونس بلغ حوالي 3.4 مليون أي أنّهم يمثّلون 31.4 % من مجموع السكان.
المنظومة القانونية الخاصّة بالطفولة في تونس:
-  اتفاقية حقوق الطفل المصادق عليها سنة 1991 وقد تمّ  سحب كافّة البيانات والاحترازات المتعلقة بها منذ سنة 2008 .
- مجلة حماية الطفولة صادرة سنة 1995 ودخلت حيّز التنفيذ سنة 1996 بالإضافة إلى جملة من القوانين الخاصة منها قانون أكتوبر 1998 المنقّح بقانون 2003 والمتعلّق بإسناد هوية للأطفال مجهولي النسب أو المهملين وقانون 4 مارس 1958 المتعلّق بالولاية العمومية ،الكفالة والتبني وقانون 1967 المتعلق بالإيداع العائلي.
معطيات إحصائية عامة حول الطفولة في تونس:
- 454 طفلا في نزاع مع القانون سنة 2012 إلى جانب انقطاع نحو 83 ألف تلميذ عن الدراسة من المرحلة الأولى والثانية للتعليم الأساسي (المنقطعون عن الدراسة في السنة الأولى والثانية ثانوي يناهز 70 % من مجموع المنقطعين عن الدراسة)
- تنامي ظاهرة تشغيل الأطفال في القطاعات المهمّشة،14171 فتاة بالوسط الريفي أي ما يقارب 6.6 %من جملة المشتغلات مقابل 15393 بالوسط الحضري أي بنسبة 3.5 %.
ويصل عدد المشتغلات في المنازل إلى 29523 فتاة منتميات للفئة العمرية 15-19 سنة بسبب قلّة المؤهلات المهنية و تدنّي المستوى التعليمي .
- ارتفاع عدد الأطفال المودعين بمؤسسات الطفولة ( المعهد الوطني للطفولة، المراكز المندمجة للشباب والطفولة، مركز الرعاية الاجتماعية للأطفال،قرى الأطفال ...) فضلا على تحوّل بعض هذه المؤسسات إلى مؤسسات إيواء نهائي للطفل لعدّة أسباب نذكر منها استقالة الأولياء و الرجوع في التبني والكفالة ممّا يبعد إمكانية رجوع الطفل إلى بيئته الطبيعية التي هي الأسرة.
إنّ الطفولة فئة اجتماعية لها خصوصيات ذاتية تحتاج إلى إشباع ولها ظروف خاصّة تحتاج إلى رعاية ومشكلات متميّزة تحتاج إلى تفهّم وحلول مناسبة و هي فئة هشّة تتأثّر أكثر من غيرها بالتحوّلات الاجتماعية المتسارعة والعميقة التي تعيشها بلادنا اليوم والتي أثّرت تأثيرا ملموسا على بنية العلاقات الاجتماعية والأسرية.
وكنتيجة لهذا الوضع فإنّ هناك عدّة ظواهر اجتماعية تفاقمت و انتشرت بصفة ملحوظة كظاهرة انحراف الأحداث وظاهرة انتحار الأطفال، وهما ظاهرتان يتداخل فيهما النفسي والاجتماعي ولكنّهما على اختلافهما يأدّيان إلي الإضرار بحقّ الطفل في الحياة والبقاء ويعكسان عجز المجتمع بأسره عن حماية أطفاله لذلك لابد أن تتضافر الجهود لتحديد الأبعاد وتشخيص العوامل المختلفة التي تشكل الأرضيّة والخلفية المكوّنة للسّلوك المنحرف لدى الطفل أو المؤدية إلى إقدامه على الانتحار وعلى وضع حد لحياة كانت يجب أن تكون مليئة بالأمل.
وهنا يمكننا أن نتساءل عن مدى نجاعة الجهد الموجه لرعاية الأطفال وحمايتهم وتدعيم سلامتهم وخاصة في ظل ما يعيشه مجتمعنا اليوم من تغيرات وهزات، فنحن مطالبون اليوم بوضع مسألة الاهتمام بالطفولة على قائمة أولوياتنا حتى ننأى بأطفالنا عن الانحراف والعلل الاجتماعية ونجعلهم قادرين على الخلق والابتكار المتمسّك بالقيم الاجتماعية وبالأخلاق الفاضلة.
فالإحصائيات التي استعرضتها سابقا تبين عمق الأزمة التي يتخبط فيها أطفالنا وشبابنا وخطورة  المرحلة التي تمر بها بلادنا فهي ليست مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية لأنها تتعلق بشيء أعمق وابعد وهو كيفية تشكل القيم لدى الطفل وكيف يتبلور ويتشكل الإدراك لديه ويجعلنا نتساءل عن نجاعة التنشئة التي يتلقاها أطفالنا اليوم سواء في الوسط العائلي أو في المؤسسات التربوية بجميع مستوياتها من روضة الأطفال إلى المدرسة.
لذلك فإنّه يمكننا اليوم أن نصنّف وسائل الإعلام بأنّها المؤثّر الأوّل والأقوى على الطفل خاصّة وأن نسبة هامّة من الأسر سلّمت أبناءها لهذه الوسائل من غير قيود تذكر لذلك فإنّ الخلفية الثقافية العميقة للأطفال لم يعد مصدرها العائلة والأبوين والمدرسة وإنّما الإعلام بمختلف وسائطه.
وتأثير وسائل الإعلام على الطّفل مرتبط بعدّة متغيرات :
-نوعية الوسيلة التي يقبل عليها الطفل ومدى انجذابه إليها (سمعية، بصرية،ثقافية...)
- سنّ الطفل وخلفيته الثقافية وبيئته الاجتماعية
-نوعية الرسائل المقدّمة للطفل إذ أنّه متقبّل جيّد لكلّ ما يرسل إليه خصوصا إذا صاحب المادّة تشويق وإثارة
-المدّة الزمنية التي يقضّيها الطفل يوميّا أمام وسائل الإعلام
وكنتيجة لما سبق ذكره فإنّ من أكثر المؤثرات الموجودة في البيئة التي يعيش فيها الطفل اليوم هي وسائل الإعلام بشتى أنواعها فهي تتدخل بشكل أو بآخر في تكوين اتجاه الأطفال وهذه الاتجاهات قد تكون مختلفة تماما عن اتجاهات الآباء والمربين وقد تأتي بقيم جديدة لا تندرج ضمن السلّم القيمي للمجتمع .
وفي هذا السياق بالذات أكّد علماء النفس أنّ الوسائل السمعية البصرية تؤثر على سلوكيات الأطفال وعلى اختياراتهم إذ أنّ هذه البرامج تنقل الأطفال إلى عالم بديل وقد أشارت الكثير من البحوث والدراسات إلى وجود علاقة بين السلوكيات العدوانية للأطفال بجميع أبعادها(تجاه الآخر أو تجاه الذات) وبين بعض البرامج التلفزية.
ومن هذا المنطلق يمكن أن نطرح ظاهرة انحراف الأحداث وظاهرة انتحار الأطفال في علاقة بوسائل الإعلام .
ظاهرة الانحراف :
أصبحت ظاهرة الانحراف في الفترة الأخيرة التي شهدنا فيها تسيّبا على جميع المستويات ، ظاهرة خطيرة جديرة بالرصد والدراسة والتحليل، خاصة إذا ما تعلق الانحراف بالأحداث الذين يشكلون عماد المستقبل . وبينت مختلف الدراسات أن مشاهد العنف في وسائل الإعلام يجعل الأطفال والمراهقين أكثر عنفا. فالطفل يتعلم عن طريق التقليد والمحاكاة ويمكننا أن نلاحظ بالعين المجردة اليوم أنالأطفال يقلدون مفردات التلفاز ومشاهده. وتمرير مشاهد متكررة للجريمة والعنف من قبل وسائل الإعلام يجعل الطفل يكتسب هذا السلوك بصفة لا شعورية
فالطفل بمثابة أداة استقبال خصبة يمكنها تلقي جل المشاهد العدوانية واكتسابها وإعادة برمجتها وبالتالي تنفيذها وفق ما يناسب سنه وبنيته الجسدية، خصوصا وأن الدراسات في مجال علم نفس الطفل أثبت أن الأطفال هم أكثر استعدادا لتذكر العنف واستعمال أساليبه.
لذلك فإنّ وسائل الإعلام بما تقدمه اليوم من أفلام وبرامج تحتوي على مشاهد متكررة من العنف والجريمة تعتبر أهمّ مثير للعدوانية لدى الطفل الذي يكون أكثر استجابة من غيره لتلقي الرسائل التي تبثها الوسائل الاتصالية مما يؤدي به إلى اكتساب  السلوك العدواني والجانح خاصة إذا كان الطفل يعيش في وضع اجتماعي هشّ (تفكّك أسري،غياب المتابعة والرقابة،ضعف المستوى الاقتصادي والعلمي للأولياء...)
ونحن كمرصد حماية حقوق الطفل ندعو جميع الأطراف المتدخّلة في مجال تنشئة الأطفال والمراهقين من الأسرة إلى المؤسّسة التربوية ومؤسسات رعاية الطفولة... إلى الاضطلاع بدورهم الوقائي والتوعوي والرقابي وذلك من خلال التربية الوقائية التي تعتمد على إكساب الطفل و المراهق القدرة على انتقاء المادة التي يشاهدهامع الحرص على المرافقة والمتابعة والتأطير .
وإنّي أذكّر أنّ تناولي لظاهرة الانحراف في علاقتها مع وسائل الإعلام السمعيّة البصرية هو اختيار منهجي فحسب ولا ينفي تضافر عدّة عوامل اجتماعية ونفسية وثقافية لإنتاج هذه الظاهرة وهذه العوامل تساهم كلّها في تهيئة الطّفل لإعادة إفراز وإنتاج ما يشاهده  على شكل سلوك منحرف وغير سوي وبالتالي الخروج عن قيم المجتمع وقوانينه.

ظاهرة انتحار الأطفال:
إنّ الانتحار سلوك ذاتي يهدف إلى تدمير الذّات ووضع حدّ للحياة ويرجع هذا السلوك إلى عدّة عوامل منها العوامل الاجتماعية ،هشاشة التكوين النفسي وعجز الذّات عن تحمّل كلّ المتغيّرات الخارجية أو التفاعل معها وغيرها من العوامل المساهمة أو المحفّزة على إنتاج هذا السلوك.
 وينطبق هذا التعريف للانتحار على الأطفال وعلى الكهول لكن يبقى للانتحار في صفوف الأطفال خصوصية مميّزة وهو غياب النضج و الوعي الكافي لدى الطفل بحيث أنّه لا يدرك خطورة الإقدام على العمل الانتحاري.
 وبالرغم من أنّ المعطيات الإحصائية المتوفّرة لدينا إلى حدّ الآن لم تثبت أن انتحار الأطفال في تونس بلغ مستوى الظاهرة إذ أنّه حافظ على نفس المعدّل (نسبة الأطفال المنتحرين دون سنّ 13 سنة تمثّل 2.5 % من المجموع العام لحالات الانتحار حسب قسم الطب الشرعي بتونس) لكن الأمر الذي تغيّر  هو التعاطي الإعلامي مع هذه الظاهرة فقد لاحظنا في المدّة الأخيرة أن أغلب القنوات التلفزية تعلن تقريبا يوميا عن حالات انتحار في صفوف الأطفال .
ويتميّز هذا التعاطي الإعلامي للظاهرة بأنّه اعتباطي وغير منضبط ويفتقد إلى المهنية .
إنّ كلّ ما سبق ذكره لا ينفي أنّ لوسائل الإعلام دورا إيجابيا في تربية الأطفال خاصّة الإعلام المرئي الذي يمكن أن يجمع بين الدور التثقيفي والتربوي والترفيهي إذ أنّه يخاطب حاستي السمع والبصر ممّا له أثر فاعل في جذب انتباه الطفل وهذا الأسلوب يعد من أهم الوسائل التعليمية المتميزة فهو يمكن أن يشبع حاجة الطفل من البحث والمعرفة والإطلاع وتنمي خياله وتغذي قدراته لذلك لا بدّ لكلّ المتدخلين في مجال حماية الطفولة وخاصة الأسرة من العمل على جعل الطفل ينعم بإيجابيات وسائل الإعلام وتجنيبه آثارها السلبية وذلك من خلال:
- وضع عدّة تدابير وقائية للحد من خطورة هذه الوسائل من ذلك اعتماد نظام وقتي لمشاهدة التلفاز أو الإبحار عبر شبكة الأنترنت يطبقه الأبناء بإشراف الأولياء مع العمل على إشراك الأطفال في اختيار التوقيت ونوعية البرامج وفق سنّهم ونضجهم.
- وضع التلفاز وجهاز الكمبيوتر في مكان عام من المنزل حتي لا ينفرد الطفل أو المراهق بمشاهدتها والتقليص أكثر ما يمكن من عدد هذه الأجهزة بالبيت مع الحرص على أن يجتمع أفراد العائلة لمشاهدة بعض البرامج ومناقشتها و استغلال المناسبة لتمرير بعض الرسائل التربوية والقيم الاجتماعية
-إغلاق التلفزيون يوم في الأسبوع أو أكثر مع الاستغناء على جهاز الكمبيوتر  وتعويضه بالمطالعة
- تكوين الصحفيين في مجال حقوق الطفل حتي يكون التعاطي الإعلامي مع قضايا الطفولة أكثر مهنية ويستند إلى المرجعية القانونية
 - مراجعة شبكة البرامج المخصصة للطفل من حيث التوقيت والنوعية والحرص على إشراك المختصين في علم نفس الطفل وفي علم الاجتماع والأطفال أنفسهم في انتقائها.
- إضفاء الطابع التثقيفي والتعليمي على هذه البرامج مع العمل على أن تكون جذابة وغير مملة
- حثّ  المربين على ترسيخ الثقافة الوقائية لدى الأطفال من خلال التطرّق لفوائد وسائل الإعلام وإلى إيجابياتها وتحفيز الأطفال على تجنّب مخاطرها

سارة حطاب
مديرة مرصد الإعلام و التكوين و التوثيق و الدراسات حول حماية حقوق الطفل         

 

  النزاع مع القانون ووضعيات الانتحار لدى الأطفال

 

  الجزء الأول: تعريف مندوب حماية الطفولة ومهامه
1/ التعريف:هو هيكل تدخل وقائي في جميع الحالات الصعبة التي تهدد صحة الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية والتي نص عليها الفصل 20 من مجلة حماية الطفل ويتولى التنسيق بين مختلف المتدخلين المعنيين بشؤون الطفولة (الشؤون الاجتماعية، العدل ، الصحة العمومية، التربية ، الداخلية ...) بالإضافة الى الجمعيات و المنظمات وذلك بالاعتماد على مبدأ أولوية حقوق الطفل و مصلحته الفضلى.
ويخضع مندوب حماية الطفولة للإشراف الإداري لوزارة المرأة و الأسرة و الطفولة و للإشراف الفني لقضاة الأسرة و لوكلاء الجمهورية و للإشراف العام لوالي الجهة
ومندوب حماية الطفولة هو مأمور ضابطة عدلية و له صلاحيات واسعة في مجال التحري و التقصي لكن و للأسف فان صلاحيات التدخل ضيقة للغاية و تتوجه فقط للطفل في حين أن رفع التهديد قد يستوجب التأثير على أطراف غير الطفل المهدد.
2/ دور مندوب حماية الطفولة
بالنسبة للطفل المهدد          
يتقبل المندوب الإشعارات في خصوص مختلف الوضعيات التي يكون فيها الطفل مهددا في سلامته البدنية أو المعنوية و الواردة بالفصل 20 من مجلة حماية الطفل، وإثر التأكد من صحة الإشعار وجديته، يقوم المندوب بالتدخل على أساس مصلحة الطفل الفضلى. ثم يتكفل المندوب بالوضعية ويتولى متابعتها إلى غاية إيجاد الحلول الكفيلة بمعالجتها.
ووضعيات التهديد نص عليها الفصل 20 من مجلة حماية الطفل وهو كالأتي:
تعتبر بوجه خاص من الحالات الصعبة التي تهدد صحة الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية :
أ- فقدان الطفل لوالديه وبقاؤه دون سند عائلي.
ب- تعريض الطفل للإهمال والتشرد.
ج- التقصير البيّن والمتواصل في التربية والرعاية.
د- اعتياد سوء معاملة الطفل.
هـ - استغلال الطفل ذكرا كان أو أنثى جنسيا.
و- استغلال الطفل في الإجرام المنظم على معنى الفصل 19 من هذه المجلة.
ز- تعريض الطفل للتسول أو استغلاله اقتصاديا.
ح- عجز الأبوين أو من يسهر على رعاية الطفل عن الإحاطة والتربية
هذا الفصل جاء على سبيل الذكر لا الحصر بمعنى أن مندوب حماية الطفولة غير ملزم بالتقيد حرفيا بوضعيات التهديد المذكورة  إذ يمكنه اعتبار حالة معينة موجبة لتدخله طالما أنها تشكل حسب تقديره و ضعية تهدد سلامته البدنية والمعنوية و من أهم الوضعيات التي لم ترد صراحة بالفصل 20 من مجلة حماية الطفل والتي تعتبر وضعية تهديد قصوى  هي محاولات الانتحار بالنسبة للطفل الجانح.  
أحاط المشرع التونسي الطفل الجانح بحماية قانونية وذلك بمنحه آلية الوساطة التي ترمي إلى إبرام الصلح بين الطفل الجانح أو من ينوبه من جهة والمتضرر أو من ينوبه من جهة أخرى، لإيقاف التتبعات الجزائية أو إيقاف المحاكمة أو إيقاف تنفيذ العقاب وبالتالي تجنيب الطفل اللجوء إلى القضاء وتجنيبه العقوبات الزجرية وتغليب المعالجة التربوية لجنوح الأطفال على المعالجة القضائية.
الجزء الثاني :تدخلات مندوب حماية الطفولة في حالات الانتحار و محاولة الانتحار
من الخطأ الاعتقاد بان محاولة الانتحار لدى الأطفال ظاهرة حديثة برزت بعد الثورة وان الشرارة قد انطلقت بعد حادثة القيروان إلا أن الحقيقة عكس ذلك تماما.
محاولات الانتحار كانت وضعيات نتعرض لها خلال مهامنا حيث نتلقى إشعارات خاصة من مستشفى الأطفال بباب سعدون تتعلق بقبول أطفال في حالة تسمم دوائي و بالتحري مع الأطفال يتبين أنهم حاولوا الانتحار لأسباب مختلفة.  
الا أن ما جعل هذا التهديد بارزا بشدة هو التطور في اساليب المحاولة و ذلك بالانتقال من استعمال الأدوية التي يمكن  على إثرها من إنقاذ  الطفل  إلى استعمال وسيلة الشنق أو الحرق و هي وسائل لا تترك مجالا كبيرا لإنقاذ حياة الطفل ، و السؤال المطروح هو : ما سبب هذا التغير في الاسلوب؟
إلى جانب الأسباب ” التقليدية“ لمحاولات الانتحار و هي على سبيل المثال  عدم القدرة على احتمال الضغوطات النفسية ومن بينها محاولات الانتحار اثر التعرض للاستغلال الجنسي أو الحمل الناتج عنه   نجد أيضا سببا هاما ساهم بقدر كبير في تشجيع الأطفال على القيام بمحاولات الانتحار و هو :
التناول الإعلامي السلبي  لحالات الانتحار
حيث تم تناول حالات انتحار أطفال باستعمال الشنق خاصة من زاوية خاطئة تماما  تجعل من الانتحار مبررا نتيجة الظروف الاجتماعية و تجعل من المنتحر بطلا هذا بالإضافة إلى إمكانية تحسين الوضع العائلي للطفل اثر قيامه بالانتحار حيث أن التناول الإعلامي المكثف أدى لتركيز تدخلات اجتماعية مبالغ فيها لعائلة الضحايا.
كما لا يجب نسيان انه و منذ الثورة  صار ينظر للمنتحر على انه شهيد و يتسابق الجميع في إيجاد تبريرات للانتحار دون الإشارة و لو بصفة عرضية لتجريم هذا الفعل واعتباره مخالفا للقانون و المنطق و الدين .
هذا و تجدر الإشارة إلى أن الأطفال يميلون للتقليد و هو ما يبرر وجود العديد من حالات الانتحار التي تتشابه في الوسيلة و الظروف.
التدخلات في حالات الانتحار:
في هذه الحالة قد يتساءل البعض عن جدوى التعهد بطفل متوفى لكن في الواقع فان التعهد يتم لفائدة إخوة الضحية أو المحيطين به باعتبارهم في وضعية نفسية خاصة قد تؤدي إلى محاولتهم تقليد فعل الضحية و هنا نلاحظ أن بعض حالات الانتحار كانت متبوعة بمحاولات من إخوة الضحية
و يتم ذلك عن طريق اتخاذ تدابير تؤمن الإحاطة النفسية بهم و قد يقع أيضا اتخاذ تدابير بإبعادهم عن محيطهم العائلي أو المدرسي بصفة مؤقتة.
التدخلات في حالات محاولة الانتحار:
في هذه الحالات يقع التعهد على مستويين  المستوى الأول عاجل و يقتضي اتخاذ تدابير تؤمن الإحاطة النفسية اللصيقة تفاديا لتكرار المحاولة و قد نضطر أحيانا لطلب الايواءالوجوبي بقسم طب نفس الأطفال بمستشفى الرازي في حالات تكرر المحاولات و تدهور الحالة النفسية للطفل
أما المستوى الثاني  فيتعلق أساسا بالبحث في الأسباب المؤدية لمحاولة الانتحار و اتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع التهديد تفاديا لتكرار المحاولة كوجود سوء معاملة أو استغلال جنسي أو إهمال أو حتى التعرض لضغوطات الأبوين خلال مرحلة الطلاق و بعدها.
صعوبات التعهد بمحاولات الانتحار:
من أهم الصعوبات التي تواجه التعهد هي أساسا :
-صعوبة التدخل الوقائي قبل وقوع الفعلة باعتبار الانتحار فعلا لا يمكن التنبؤ به بصفة قطعية و يتم عادة دون سابق إنذار واضح مع العلم بان الطفل قد يعطي العديد من الإشارات عن تدهور حالته النفسية إلا انه لا يعطي في اغلب الأحيان إشارة مباشرة عن نيته القيام بمحاولة الانتحار .
كما انه و للأسف لا وجود لآليات رصد فعالة في المدارس خاصة تمكن من رصد التغييرات في سلوك الأطفال و هنا يجب التنويه بالدور الهام الذي تقوم به إدارة الطب المدرسي لكنه يبقى غير كاف خاصة مع عدم تفعيل خلايا الإنصات بالمدارس.
- نقص في إطارات الصحة النفسية كالأخصائيين و الأطباء النفسيين وهو ما أدى إلى ضغط عمل كبير على المتوفر منهم و أدى إلى إطالة الإجراءات بشكل كبير .
استغلال العديد من الأولياء للأهمية الكبرى التي توليها الدولة للتصدي لظاهرة الانتحار قصد حث أبناءهم على التهديد بمحاولة الانتحار و ذلك للوصول إلى غايات شخصية و هو ما يؤدي إلى استسهال الطفل لمسالة الانتحار خاصة وانه يتلقى دعما و تبريرا من قبل احد أبويه.
و تبقى أهم صعوبة هي عدم القدرة على رفع التهديد الأصلي الذي أدى للقيام بمحاولة الانتحار
الجزء الثالث :الطفل في نزاع مع القانون
العبارة القانونية هي ”طفل جانح“ لكن بالنظر إلى أن المسالة تتناول من الناحية الحقوقية الحمائية فان العبارة المستعملة عادة لدى المؤسسات المعنية بالحماية هي عبارة ”طفل في نزاع مع القانون“ ولعل من أهم أسباب محاولات تغيير العبارات هي أن استعمال عبارة طفل جانح يخفي حكما مسبقا قطعيا بان الطفل قد حاد عن الطريق و لا يمكن إصلاحه أو إنقاذه إلا أن الواقع و كذلك مبدأ حق الطفل في الحماية يدعو إلى اعتبار الأفعال الإجرامية للطفل اخطاءا يمكن تجاوزها و حماية الطفل من تبعاتها و يمكن للطفل الذي قام بفعل مخالف للقانون أن يحضى بفرصة ثانية تمكنه من مواصلة حياة طبيعية دون أحكام مسبقة و توفر له ظروف النجاح كلها وبالتالي فان الطفل الذي قام بفعل إجرامي لا يمكن اعتباره بصفة مسلمة طفلا غير قابل للإصلاح أو عنصرا غير مفيد في المجتمع.
وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام في هذا المجال مفزعة إذ نجد أكثر من 10000 حالة تورط طفل في نزاع مع القانون حسب إحصائيات وزارة العدل أما في إحصائيات مندوبي حماية الطفولة فنجد 406 مطلب وساطة فقط( تتصدر السرقة و العنف أنواع مطالب الوساطة)  و رغم أن الرقم يبدو بسيطا أمام الرقم السابق إلا انه إذا علمنا أن الوساطة لا تنجز إلا في حالات مخصوصة و محددة و بطلب من الولي أو الطفل وان نسبة هامة من الأولياء ليسوا على دراية بهذه الآلية القانونية  فإننا ندرك أن هذا الرقم لا يستهان به لإبراز تضخم ظاهرة نزاع الأطفال مع القانون .
الأسباب المؤدية للوقوع في نزاع مع القانون       
لا يمكن بتاتا حصر الأسباب المؤدية للقيام بأفعال مخالفة للقانون إذ أنها متعددة و تتراوح بين الظروف المادية الصعبة و المحيط العائلي المشجع على الإجرام وبين مجرد الرغبة في التقليد و إبراز الذات   حيث نجد أطفال من عائلات مستقرة توفر للطفل كل حاجياته إلا أن الطفل يتورط في أفعال غير قانونية رغم ذلك و بالتالي فلا يمكن بتاتا حصر صورة نمطية للطفل في نزاع مع القانون.
و تجدر الإشارة إلى انه توجد قولة متداولة في هذا الشأن مفادها أن الأطفال في نزاع مع القانون هم أطفال تم الفشل في حمايتهم من وضعيات تهديد.
تدخلات مندوب حماية الطفولة في مجال الطفولة
في نزاع مع القانون
أعطى المشرع التونسي لمندوب حماية الطفولة من خلال الفصل 113 من مجلة حماية الطفل صلاحية التدخل بالوساطة وهي آلية قانونية تهدف لمحاولة تجنيب الطفل العقوبات البدنية و ذلك عن طريق التوصل للتوفيق بين المتضرر و الطفل الفاعل أو وليه  وهي على عكس ما يعتقد البعض لا تهدف إلى إجبار المتضرر على التنازل عن شكايته بل هي آلية معتمدة منذ القدم و تهدف إلى إقناع المتضرر وديا بالتنازل عن حقه في التتبع لا عن شكايته و ذلك مقابل التعويض أو الإرضاء المعنوي وهنا يتم التوفيق بين حق المتضرر و حق الطفل.و الوساطة تتم بطلب من الطفل نفسه او وليه او محاميه و تتم في جميع مراحل التقاضي و يشترط لانجاز الوساطة ألا  تتعلق الفعلة بجناية او بجريمة قتل، وعلى اثر ابرام الوساطة ترفع إلى الجهة القضائية المختصة لاعتمادها.
كما تجدر الإشارة الى ان تدخل مندوب حماية الطفولة في مجال الطفولة في نزاع مع القانون قد يتجاوز الإشراف على الوساطة حيث انه يمكنه ان يتعهد من تلقاء نفسه  بوضعية طفل في نزاع مع القانون اثر النجاح في إجراء الوساطة إذا ما تبين له ان الطفل يواجه وضعية تهديد على معنى الفصل 20 من مجلة حماية الطفل وهي صلاحية أسندت أيضا لقضاة الأطفال لكن أثناء المحاكمة حيث ان قاضي الأطفال يمكنه إيقاف النظر في ملف الطفل جزائيا و يقوم بإحالته الى قاضي الأطفال لتتخذ في شانه إجراءات حمائية لا ردعية.
إشكاليات التعهد بالأطفال في نزاع مع القانون
رغم وجود عدة فصول متعلقة بعقوبات بديلة لفائدة الطفل  إلا أنها غير مفعلة حيث لا وجود لمندوب الحرية المحروسة أو برنامج قبول الأطفال بمراكز تدريب مهني  أو مؤسسات استشفائية (حالات الإدمان).
- ضعف الإمكانيات المادية والبشرية لمستشاري الطفولة لدى المحاكم.
- ضعف آليات الحماية خاصة فيما يتعلق بالتعليم و التكوين المهني.
- أوضاع سيئة عموما لمراكز الإصلاح.
- غياب تامين المتابعة و الإحاطة للطفل اثر إنهاءه لمدة العقوبة .
- رفض المؤسسات التربوية قبول أطفال كانوا في نزاع مع القانون حتى لو لم تتخذ في شانهم عقوبات سالبة للحرية.
ضعف آلية الوساطة و نقص مادي و بشري كبير لسلك مندوبي حماية الطفولة .
كل هذه الإشكاليات و غيرها بينت بشكل لا يقبل النقاش الوضع المتردي لمنظومة قضاء الأطفال ككل و آليات حماية الطفل من التورط في نزاع مع القانون و هو ما دفع للقيام ببرنامج ضخم لتطوير منظومة قضاء الأطفال  وتجاوز النقائص المطروحة و هذا البرنامج هو تحت إشراف وزارة العدل وبدعم من منظمات دولية. كما انه من بين الإجراءات المتخذة إبرام اتفاقية بين وزارة العدل و وزارة المرأة و الأسرة والطفولة  تعطي لمندوب حماية الطفولة صلاحية القيام بزيارات فجئية لمراكز الإصلاح قصد تلافي النقائص ورصد التجاوزات و هذه الاتفاقية حاليا في مراحل انجازها الأخيرة.
خاتمة
إن دور مندوب حماية الطفولة يقضي بتوفير الحماية للأطفال الذين يعيشون وضعية تهديد على معنى الفصل 20 من مجلة حماية الطفل أو في نزاع مع القانون،إلا انه و بالممارسة تبين أن بعض هذه الوضعيات تستوجب أن يقع الوقوف عندها والقيام بعملية تقييم شاملة و تنقيح للعديد من القوانين وهذا لا يعني أن بعض الحقوق أهم من الأخرى بل لان بعض الحقوق المنتهكة لا يقابلها إجراءات فعالة و ناجعة ويمكن القول انه في بعض الأحيان تؤدي هذه الإجراءات إلى نتائج كارثية.
وهذا التقييم و إعادة البناء لا يمكن أن يتم من جهة واحدة بل يجب أن يكون عملا تشاركيا يلتزم به جميع الأطراف لا انطلاقا من قوة القانون و الزاميته فقط بل أيضا أن يكون التزاما أخلاقيا و إنسانيا.

 

أنيس عون الله: مندوب حماية الطفولة بتونس

 

قراءة سوسيولوجية في ظاهرة انتحار الأطفال في تونس : دراسة حالة: ولايات تونس الكبرى والقيروان

 

نسعى من خلال هذه الورقة إلى محاولة المساهمة في فهم ظاهرة الإنتحار  عند الأطفال  في تونس من وجهة نظر سوسيولوجية ،و ذلك عبر دراسةالعوامل الأوّلية الدافعة  للإقدام على محاولة الإنتحار  ؟إنّ ارتفاع عدد الحالات التي حاولت  الإنتحار في صفوف الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة قد ارتفعت سنة 2015 بنسبة 200 % فبعد أن سجّلنا في سنة 2014 ثمانية عشر  حالة بلغ عدد الحالات في سنة  2015 أربعة و خمسون حالة و ذلك حسب المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية و الإجتماعية. و على الرغم من عدم امتلاكي لأجوبة تفسّر هذا التطوّر الملفت إلاّ أنه يمكن أن أستنتج أنّ تناول هذا الموضوع في وسائل الإعلام المرئية كان أيضا في نسق تصاعدي ممّا يجعلني أفترض أنّ لبعض وسائل الإعلام دور في نشر العدوى و المحاكاة و التقليد في صفوف الشبان المحاولين للإنتحار.

إنّ التفكير في  الواقع المجتمعي المعقّد الذي يعيش فيه هؤلاء الأطفال يطرح علينا عدّة تساؤلات حول الوضعيات المجتمعية المهددة لاستقرارهم و توازنهم النفسي و الإجتماعي  في معيش يومي يتميّز  بالديناميكيةو  صعوبة التحكّم و السيطرة  في متغيراته.  و رغبة منّي في  إثراء النقاش حول هذا الموضوع  و التعمّق في استكشاف العوامل المتسببة في محاولات الإنتحار أقترحالإعتماد على نتائج عشر مقابلات نصف وجّهة أجراها مجوعة من الطلبة الذين أؤطّرهم في مستوى رسائل ماجستير البحث في الخدمة الإجتماعية  و ذلك بولايات القيروان و تونس الكبرىمع أطفال  تتراوح أعمارهم بين 9 و 18 سنة حاولوا الإنتحار  و تمّ إنقاذهم بعد تدخلات طبية استعجالية في جل الوضعيات،لعلّي أستطيع التوصّل من خلالها إلى صياغة  فرضيات يمكن أن تمثل مشروع بحث علمي كمّي و كيفي  شامل حول الظاهرة.
للتمهيد للخوض في هذا  الموضوع و التعرّف على الوضعية النفسية و الإجتماعية للأطفال التونسيين أقترح عرض جزء من نتائجالدراسة السوسيولوجية  التي  انتهيت من إنجازها في  ديسمبر 2013 و تقديمها قبل موفىّ سنة 2015  تحت إشراف المنظمة الدولية للهجرة حول ميولات الأطفال و الشباب التونسي للهجرة و التي حملت الإجابات التالية في القسم المخصص لتمثلاتهم للحياة في تونس بكل مكوناتها :
- أوّل مصادر عدم الرضا للأطفال و الشبان المستجوبين  هي الأسرة
- أكثر من نصف المستجوبين غير راضين عن  المنظومة المدرسية
- أهمّ القيم التي يختارها الطفل التونسي  موضوع الدراسة هي المجازفة و السرعة و  الإصرار  و السفر
- المناخ العام  في تونس يغلب عليه الضغط النفسي و عدم الإستقرار   و الملل و الشكّ
- أكثر الحالات النفسية تردّدا هي الخوف و الإكتئاب
- غياب تصوّر مشروع حياتي واضح لأغلب أفراد العيّنة
يبدوا من خلال هذا الملمح أنّ الطفل التونسي المستجوب (المتمدرس و المنقطع عن الدراسة  و الذي يتراوح عمره بين 12 و 18 سنة في كلّ من ولايات  تونس الكبرى و صفاقس و القصرين)  يعيش وضعيات نفسية و اجتماعية معقّدة  تغلب عليها حالات عدم الإستقرار  و الضبابية  مع الشعور يالقدرة على المجازفة و المخاطرة .  هذه المشاعر  لا تعكس إدراك حقيقي لما يقوم به هؤلاء الأطفالمن سلوكات و يتخذونه من مواقف في مرحلة عمرية تسيطر عليها الإنفعالات و المزاجية و في  أجواء أسرية  تعاني من الصعوبات المادية و الصراعات العلائقية  و في محيط اجتماعي  يعرف أزمة قيم اجتماعية و يعاني مشكلات أمنية جديّة  تتعلق بالإرهاب و التهديد بفقدان شبه  الإستقرار الإجتماعي.
لهذه النتائج في تصوّري علاقة وثيقة ببحثنا هذا   حول العوامل و الوضعيات  التي تدفع بالأطفال التونسيين للتفكيرو الإقدام على الإنتحارو ذلك بحكم  الإضطرابات  العلائقية التي يعرفها الطفل مع الفاعلين الإجتماعيين الممثلين لمؤسسات التنشئة الإجتماعية  ( الأسرة، المدرسة)و تصوّر بعض الأطفال أنّ فرص الإرتقاء الإجتماعي أصبحت شبه منعدمة داخل المحيط الذي يعيشون فيه.
   و بعد اطلاعي على المضامين  الخطابية للمحادثات التي أجريت مع   الأطفال الذين أقدموا  على محاولات الإنتحار بولايات تونس الكبرى و القيروان يمكنني استخلاص العوامل و الوضعيات التالية المفسّرة لهذه السلوكات:
• الضغط الذى يمارس على التلميذ من أسرته:
يمارس المحيط الأسري في المقام الأوّل على الطفل مختلف أشكال الضغط و القهر الإجتماعي  بما أنّه يطالبهم  بالنتائج دون توفير متطلّبات النّجاح أو أنّه يرهقهم  بالمعاتبة و اللّوم و المقارنة بأطفال آخرين  .إضافة إلى ذلك فإنّ  المساومة التي يقوم بها بعض الأولياء بين الإشباع العاطفي  و المردود الدراسي تنعكس سلبا على التقدير الذاتي  للطفل و تشعره بالدونية و الإحباط « دارنا يحطّوا عليّ برش Stress  قبل الإمتحانات و يقولولي برش كلام خايب كيف يشوفوا المعدّلات، ما تسمع كان الكلام اللّي يحطّم حدّ ما يحسّ بيك و إلاّ يفهمك يفدّدوك في حاج اسمها قراية، يقلّي بابا بلاش بيك خير روحي كرهتها» . هذه المشاعر العدوانية الموجهة ضدّ الطفل تزيد من حالات اليأس و الإكتئاب و تشعر الطفل بالإحباط نتيجة افتقاده للوسائل القادرة على تحقيق الأهداف التي تطالبه بها الأسرة،  و يزداد هذا الوضع تعقيدا إذا تدنّى المستوى الماديّ للأسرة و عاش الطفل داخلها حالات من الصراع و العنف « دارنا تقول مركزشرطة صياح عياط ضرب بو ديما شارب و أمّ مغلوبة على أمرها وما فمّا حتّى حلّ»  و في ذلك إشارة إلى انعدام الحلول و الشعور بالإنهزام في غياب لدور الأسرة في الحماية و الرعايةو المرافقة.
        إنّ  تسليط كلّ أشكال الضغط على الأطفال في علاقة بنتائجهم المدرسية  يشعرهم بأنّ تقبّلهم و محبّتهم مرتبط بنجاحهم الدراسي  و في صورة عدم القدرة على تحقيق هذا الهدف ينزع بعض الأطفال إلى محاولة وضع حدّ لحياتهم  خوفا من العقاب الّذي يتربّصهم كما تؤكّد ذلك فتاة في مستوى الثامنة أساسي « نخاف برش مالعقاب  واش باش يصير فيّ كبف يسمعوا بنتائجي، حبّيت ننتحر على خاطر آنا خايف برش» .
• قصورالمنظومةالتربوية في الإحاطة و المساعدة:
يشعر جل الأطفال المستجوبين أنّ المدرسة و المعلمين داخلها لا ينتبهون إلى المشكلات النفسية و الإجتماعية للتلاميذ و يتعاملون معها بكثير من اللأمبالاة  و في حالات أخرى بعبارات دونية تفقد التلميذ الرغبة في النجاح الدراسي و تجعله يبحث عن فضاءات أخرى لتحقيق ذاته, حيث ذكرت إحدى التلميذات بالسابعة أساسي بأنّ المدرسة تتعامل مع التلاميذ بمنطق إقصائي بما أنّ التلميذ الناجح هو الذي يقوم بدروس خصوصية  أو الذي يمتلك قدرات ذهنيىة استثنائية أماّ البقيّة و خاصّة تلك التي تعاني من مشكلات نفسية و اجتماعية و تعاني من الخصاصة و الفقر فقدرها المغادرة «  المعلّمين في المكتب فمّا شكون فيهم يكرّهك في القراية و يخلّيك تخمّم في برش حاجات خايبة ( الإنتحار)، حدّ ما يركّز معاك و يقرى ظروفك تسمع كان بقر، هوكش: قعدت في الدّار كان خير... يفشّلك و تقول وحدك آش قاعد نعمل لهنا ، ما عنّاش فلوس باش نقرى Etude   واذاك آش عطى ربّي»
إنّ قصور المنظومة التربوية  عن الإحاطة النفسية و الإجتماعية بالأطفال المراهقين و خاصة الذين يعانون من مشكلات معقّدة في محيطهم الإجتماعي بالإضافة إلى تعرّض بعضهم إلى التمييز السلبي و العنونة و الإقصاء من المربين ذاتهم   قد يجعل البعض منهم يفكّر في الإنتحار  كتعبير عن حالة العجز على تجاوز هذه المشاعر السلبية في غياب لمنظومة مدرسية تعنى بقيم الحياة و تفتح باب الأمل أمامهم.
المحاكاة والعدوى والتقليد:
إنّ إقدام بعض الأطفال على محاولات الإنتحار  يعود في بعض الحالات إلى الرغبة  في التشبه ببعض الشخصيات من المحيط الإجتماعي الذي تعيش فيهو التي خاضت التجربة ذاتها في وقت سابق كما تفسّر بالتضامن مع بعض الأطفال الذين يعيشون عدّة وضعيات مشابهة: فقر، تفكك أسري، عنف مادّي و معنوي، ضعف نتائج مدرسية، غياب الحوار داخل الأسرة....» عندي اشكون من أصحابي انتحر أولاد حومة نعيشوا نفس المشاكل، هو ارتاح أمّا آنا مازلت...... « كما أنّ اهتمام الإعلام  ببعض الأطفال الذين أقدموا على فعل الإنتحار قد ولّد عند مستجوبينا  رغبة في جلب الإنتباه و التشكّل في صورة شخصية قادرة على تحريك المهتمّين بالشأن العام بعد عدم قدرتهم على استعطاف المحيطين بهم «  برش صغار انتحروا باش فاقوا والديهم  بمشاكلهم و حبّتهم العباد و سخّفوهم، واحد ما يوصل باش ينتحر إلّا ما تتصكّر في وجهوا البيبان و معادش يشوف حتى ثنية أخرى... اللّي انتحروا هوما أشجع ملّي عايشين ارتاحوا و رتّحوا النّاس معاهم» فعبر محتوى هذا المضمون الخطابي لتلميذ التاسعة أساسي و الذي يبلغ من العمر 17 سنة نستنتج  أنّ صورة الطفل الذي انتحر هي صورة إيجابية  من وجهة نظر رفاقهو حيث   يصبح التشبّه به  و محاكاة هذا السلوك  فيه  تجسيد لشخصية أكثر قدرة على جلب الإنتباه و تعبير عن رفض لنمط حياة لم يستطع الطفل أن يتموقع داخله.
• الشعورالعميق بالفشل والإحباط والمعاناة:
يعبّر هذا العامل عن مجموعة من الوضعيات المعيشية  التي تلخّص تجربة الفشل و الإحباط و المعاناة و هي ماديّة في جانبها الأوّل حيث تعجز الأسرة عن تلبية الحاجيات الحياتية للطفل فيضطرّ  بعض الأطفال  للإنقطاع عن التعلّم  و التكفّل بالحاجيات المادية للأسرة  بعد تجارب متعددة في الإخفاق الدراسي بما خلّفته من  آثار  نفسية  وسوء معاملة:
« دوبلت برش مرّات تصوّر واحد 18 سنة و هو مازال في التاسعة أساسي خيّرت نخرج، نحسّ روحي مثقّل برش على دارنا»
« واحد في حياتوا ما نجح في شيء نلقى روحي 16 سنة نخدم على دارنا و موش لاحقين.... ما نعرفهاش الطفولة»
« آنا نخدم و دارنا ياخذوا الفلوس استغلال في الخدمة و في الدّار علاش عايشة»
أماّ الجانب الثاني فهو عاطفي حيث يعرف بعض المراهقين تجارب  عاطفية مع الجنس الآخر  يصعب عليهم تجاوز آثارها  في صورة تعثر التجربة  أو انقطاع العلاقة  و على اختلاف الأسباب  يجد الطفل نفسه أمام مشكلات نفسية  يصعب عليه حلّها فيشعر بالإحباط و المعاناة ويلتجئ إلى ردود فعلغيرمفكّرفيها قد  تعبّر عن حالات من الهروب من الواقع « ما عادش ننجّم نتحمّل تعبت و عييت لا نجحت في قراية و  لا في حبّ آنا إنسانة فاشلةو ما نتحبّش  تعبت نحبّ نموت....» هذه المشاعر لهذه الفتاة التي تبلغ من العمر 16 سنة تعبّر عن حالة اليأس و الإحباط و الدونية في  غياب المساعدة و المساندة و الحبّ تلك الأحاسيس التي يمكن أن تعطيها معنى لوجودها.

 

معز بن حميدة : أستاذ الخدمة الاجتماعية بالمعهد الوطني للشغل و الدراسات الاجتماعية

 

 

إضافة تعليق جديد