بالمناسبة: في العيد الستين للاستقلال..سي الحبيب.. خطيبا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 1 أكتوبر 2020

تابعونا على

Oct.
1
2020

بالمناسبة: في العيد الستين للاستقلال..سي الحبيب.. خطيبا

الأحد 20 مارس 2016
نسخة للطباعة
بالمناسبة: في العيد الستين للاستقلال..سي الحبيب.. خطيبا

منذ ثلاثينات القرن الماضي والى نهاية الخمسينات تقريبا لم يكن اسمه لدى عموم التّونسيّين "بورقيبة".. كان اسمه "سي الحبيب" بما تحيل عليه هذه التّسمية من "شعبيّة" ومن قرب عاطفي ومن شعور عامّ بالألفة تجاه شخصه.. أمّا في الإعلام ولدى الطّبقة المسيّسة فقد كان اسمه ـ وقتها ـ "الزّعيم" اعتبارا لموقعه القيادي في "الحركة الوطنيّة" من أجل الاستقلال واعتبارا لرمزيّته ولخصاله السّياسيّة الّتي أهّلته لأن يكون أحد أعلام النّضال الوطني ضدّ المستعمر الفرنسي..

انّه الحبيب بورقيبة "صانع" الاستقلال وباني تونس الحديثة.. الرّجل الّذي "دوّخ" التّونسيّين جميعا على امتداد خمسة عقود أو أكثر وجعلهم يحبّونه حتّى وهم يكرهونه أحيانا.. يحبّونه ـ لا فقط ـ لأنّه ابن تونس الّذي قاد مسيرة نضالها من أجل الاستقلال وبناء الدّولة الوطنيّة.. ولكن أيضا لأنّه وعلى امتداد فترات ـ ولا نقول فترة ـ رئاسته للجمهوريّة لم يطلب "شيئا" لنفسه أو لعائلته وظلّ يعيش لتونس ولتونس وحدها..

حتّى أخطاؤه القاتلة الّتي ارتكبها ـ لاحقا ـ في حقّ الوطن والأجيال ـ وجلّ من لا يخطئ ـ وعلى رأسها الاستبداد والانغلاق السّياسي نحسب أنّها كانت أخطاء من أجل تونس وخوفا على ما تحقّق من مكتسبات ربّما..

لا علينا.. لسنا في وارد الحكم على هذا السّياسي البارز الّذي كانت أمّي رحمها اللّه تقول عنه كلّما سمعتني ـ وأنا الطّالبالجامعي ـ ألعن ديكتاتوريّته أو أنتقد توجّهاته التّغريبيّة.. "ما قرّاكم كان بورقيبة.. وما ردّكم رجال كان بورقيبة"

 ما نريده تحديدا من هذه الخاطرة ـ والمناسبة هي إحياء الذّكرى الستّين لإعلان الاستقلال ـ هو الوقوف على خصلة نعتقد أنّها واحدة من "أخطر" خصال هذه الشّخصيّة الوطنيّة التّاريخيّة.. والّتي بها وحدها نقدّر أنّه استطاع أن يستحوذ على "عقول" التّونسيّين ـ كلّ التّونسيّين ـ وأن يجعلهم يحبّونه ـ حتّى وهم يكرهونه ـ ويسلّمون له بما يريد وحتّى بما لا يريدون أحيانا ونعني بها قدرته على الخطابة وعلى الإقناع.. لقد كانت لديه ـ رحمه اللّه ـ قدرة عجيبة على التّأثير في النّاس من خلال القول.. فبورقيبة لم يكن فقط "خطيبا مفوّها" كما يمكن أن يقال عن كلّ الزّعماء الّذين يمتلكون فصاحة في القول وقدرة على "التّواصل" المباشر مع الجماهير.. بورقيبة كان أكثر من ذلك.. بورقيبة كان"ساحرا" في هذا المجال.. "ساحرا" لأنّه كان "يستعمل" ـ لا فقط ـ المقال المناسب و"اللّغة" المناسبة في المكان المناسب ولكن يستعمل أيضا كلّ "وسائل" و"أدوات" التّأثير والإقناع بما في ذلك التّمثيل بمعنى "تقمّص" الشّخصيّات.. وإتيان الحركات الجسديّة الموحية وذات الدّلالة..

أذكر أنّه ذات سهرة عائليّة وكنّا جالسين قبالة جهاز التّلفزيون أطلّ علينا وجه بورقيبة في حدود السّاعة الثّامنة مساء ضمن سلسلة "من توجيهات الرّئيس" الّتي كانت تبثّ قبيل "شريط الأنباء" وكان يتحدّث وقتها عن تعلّقه بوالدته وكيف أنّه كان يتعاطف معها ويحبّها اعتبارا لأنّها امرأة ـ من جهة ـ واعتبارا ـ من جهة أخرى ـ لما قاسته في سبيل تنشئته وتنشئة إخوته ـ ذكورا وإناثا ـ وفيما هو يتحدّث في الموضوع إذ بعبرته تغلبه ويشهق باكيا في صمت..فما كان من أمّي الاّ أن شهقت باكية بدورها تأثّرا.. ولكن في ذات اللّحظة الّتيشهقت فيها أمّي باكية كان هو قد توقّف عن "البكاء" وعلت وجهه في ظرف ثواني معدودة ابتسامة لأنّه تذكّر "موقفا" آخر مغايرا بطلته والدته راح يحدّثنا عنه..

أمّي ـ رحمها اللّه ـ الّتي لم تستسغ ـ على ما يبدو ـ هذا "التّحوّل" السّريع في المشهد "الدّرامي" ووجدت نفسها "محرجة" بسببه أمامنا جعلت بدورها تداري دموعها عنّا ولكنّ ذلك تطلّب منها وقتا طويلا بعكس "الزّعيم" الّذي انقلب ـ وفي ظرف ثانية واحدة أو تزيد ـ من باك إلى ضاحك..

أروي لكم هذه "الطّرفة" الواقعيّة ـ لا فقط ـ من أجل التّدليل على قدرات "سي الحبيب" العجيبة والفائقة والسّحريّة على التّأثير بل أيضا من أجل أن "ييأس" أولئك السّياسيّين ـ وخاصّة من الجيل الجديد ـ الّذين يحاولون اليوم أن "يتقمّصوا" شخصيّة بورقيبة أو أن "يتاجروا" ـ سياسيّا ـ بشخصه أو بإرثه أو بتاريخه.. ييأسو لأنّهم المساكين لا يملكون من "بورقيبة" ولا منقدرات بورقيبة ولا من عبقريّة بورقيبة "شيئا".

 محسن الزّغلامي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد