آلاف القطع النفيسة.. 40 ألف موقع.. و20 متحفا.. آثار بلادنا.. مهملة.. ومسروقة! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 18 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
19
2018

آلاف القطع النفيسة.. 40 ألف موقع.. و20 متحفا.. آثار بلادنا.. مهملة.. ومسروقة!

الاثنين 15 فيفري 2016
نسخة للطباعة
آلاف القطع النفيسة.. 40 ألف موقع.. و20 متحفا.. آثار بلادنا.. مهملة.. ومسروقة!

إعداد : نجلاء قمّوع، يوسف أمين ، غرسل بن عبد العفو ،الحبيب الصادق عبيد - 

"ما هو تحت الأرض ملك للدولة وللشعب"..بهذه العبارات يحدد المشرع أهمية الإرث الحضاري في بلادنا وليس جديدا الحديث عن نهب وسرقة الآثار التونسية في فترة حكم بن علي وما اقترفته العائلة الحاكمة من جرائم في حق إرثنا الوطني ومع ذلك لا تعتبر هذه المسألة العامل الوحيد وراء انتهاك معالمنا الحضارية والاعتداء على تاريخنا العميق والثري بتعدد حقبه..

الحديث سيتواصل ويستمر حول ملف التراث ولن يتوقف ،من وجهة نظرنا ،حتى تتمكن بلادنا من استرجاع ما نهب ويعرض حاليا في عدد من المعارض والمتاحف الدولية وحتى تصبح مواقعنا الأثرية في كامل تراب الجمهورية محمية ومؤمنة من الحفريات العشوائية ومافيا السرقات الأثرية وحتى تتمكن السلط المختصة وعلى رأسها وزارة الثقافة والمعهد الوطني للتراث من مكافحة هذه الظاهرة بتطوير أساليب الإحصاء وتسجيل قطعنا الأثرية رقميا والأهم تطوير إجراءات مراقبتها وتأمينها للمواقع الأثرية والحفريات المنضوية تحت إشرافها، التي بدورها شهدت ولعقدين سرقات عشوائية ناهيك عن المواقع المهمشة والمنسية.

تملك تونس كما هائلا من الأثريات الرومانية تتجاوز 30 ألف قطعة وأكثر من 40 ألف موقع أثري وعشرين متحفا تزخر بكنوزنا، التي لا تقدر بثمن كما تدرج العديد من معالمنا ضمن التراث العالمي لليونسكو. ورغم نجاح محاولات عائلات بن علي والطرابلسي وصخرالماطري في الفترة السابقة في إلغاء تصنيف الكثير من المساحات بقرطاج وسيدي بوسعيد من قائمة التراث العالمي إلا أن إلغاء مصادرة تصنيف هذه الأراضي، الذي أقرته حكومة الباجي قائد السبسي لم يحقق الكثير فمازالت بعض الأراضي تشهد حفريات عشوائية تحت غطاء أراض عقارية.

المؤسف في هذه المسألة قلة وعي التونسيين بأهمية إرثنا الحضاري فرغم تفكيك الكثير من شبكات التهريب التي كانت وراءها عائلتا بن علي والطرابلسي إلا أن بعض رجال الأعمال التونسيين مازالوا يمارسون هذه التجارة غير الشرعية بالتعاون مع عدد من تجار الآثار في تونس وخارجها وذلك باستغلال غياب الرقابة والحراسة المنتظمة للمواقع الأثرية المتواجدة في المناطق الريفية وخاصة في الشمال الغربي والوسط الغربي.

سرقات منظمة

وفي هذا السياق، أوضحت مصادرنا من المعهد الوطني للتراث أن السرقات الأثرية نشطت كثيرا في التسعينات خصوصا في مواقع قرطاج وسوسة والقصرين والقيروان والجم وشددت مصادرنا على أن الباحثين والإداريين المنتمين للمعهد الوطني للتراث لا علاقة لهم بهذه الانتهاكات والخلل في منظومة حماية المواقع الأثرية التي تسبب فيها بعض المراقبين والحراس على غرارما حدث في مكثر أو بعض تجار القطع الأثرية العاملين في محيط جهات الجم والقيروان وقرطاج وقد وقع القبض عليهم.

من جهته، أكد فريق جرد ومعاينة واختبار المحجوزات الأثرية بدائرة المسح العام والبحوث التابعة للمعهد الوطني للتراث أنهم وخلال الخمس سنوات الأخيرة تمكنوا من استرجاع 4 آلاف قطعة أثرية مسروقة وذلك بفضل التعاون الوثيق مع فرق أمنية مختصة ووحدات إدارة القضايا الإجرامية بالقرجاني وكذلك فرقة العوينة.

في تقرير لـغرسل بن عبد العفو عن وضعية المواقع الأثرية بالقيروان، عاصمة الأغالبة وصاحبة المعالم المسجلة لدى اليونسكو ولعّل أبرزها المعالم الشاهدة على الحضارة الإسلامية من جامع عقبة بن نافع ومقام أبي زمعة البلوي إلى فسقية الأغالبة وأسوار المدينة.

جامع عقبة «محاصر» بالمياه

 قرون عديدة مرت وعمليات الترميم متواصلة للمحافظة على هذه المعالم ورغم مساعي وبرامج المعهد الوطني للتراث للمحافظة على هذه المعالم الأثرية.. نجد عديد العوامل التي أثرت سلبا على نشاطه وأفضل مثال عمّا ذكرناه جامع عقبة بن نافع، الذي لا يزال إلى اليوم يعاني من مشاكل شبكة تصريف المياه وكذلك شبكة تصريف مياه الأمطار، وضعية جعلت المعلم الأثري تغمره كميات من المياه ممّا دفع بالمسؤولين عن الجامع إيجاد حل وقتي متمثل في أبواب إضافية بارتفاع 80 صم لمنع المياه من التسرب داخل الصحن مع إضافة أكياس رمل أمّا الأسقف فقد ثبت أنها صارت تعاني شقوقا جعلت مياه الأمطار تتسرب محدثة أضرارا بالبناية خاصة أن المواد المستعملة قديما لم تعد قادرة على تحمل الرطوبة.

أمّا فسقية الأغالبة أو برك الأغالبة فوضعيتها اليوم لم تعد تتحمل الانتظار إذ تعددت الأضرار وتوقفت الأشغال في انتظار ما ستؤول إليه الأمور في قادم الأيام خاصة أن الإشكال القائم يعود بالنظر لديوان التطهير وبلدية المكان. وضعية جعلت المجتمع المدني بالجهة يطالب بالتدخل السريع.

وشدد مراسل «الصباح الأسبوعي» على أن الإهمال الذي تعاني منه المعالم الأثرية بالقيروان تتحمل مسوؤليته وزارة الثقافة ،التي لم ترصد ومنذ سنة 2011 أي مبلغ بعنوان الصيانة والإصلاح وبالإضافة إلى ذلك فإن أسوار المدينة ظلت في كل مرة تطلب التدخل السريع للتعهد والصيانة لكن الأمر اقتصر على دعم جاء كمنحة من سلطة عمان تم بواسطته ترميم السور على مستوى "باب تونس".

صبرة والبناء الفوضوي

وأضاف:» سكان القيروان أو رجال صبرة - نسبة لصبرة المنصورية وهذه التسمية لها دلالاتها التاريخية إذ تم بناء مدينة صبرة على أطراف مدينة القيروان وقد كانت شاهدة على العهد الفاطمي هذه المنطقة- لم يعد لها وجود بفضل ما غزاها من بناء فوضوي وتعد صارخ لمواقع أثرية على مساحة قدرت بـ 50 هكتارا أصبحت اليوم حيا سكنيا به حوالي 300 مسكن ومحل هذا الوضع ساهمت في انتشاره دوائر مسؤولة بالدولة على غرار ما تم توفيره من مساكن اجتماعية لذوي الدخل الضعيف كما أن الدولة لم تتمكن من حسم الإشكال العقاري وذلك بالانتزاع لتظل الأمور على حالها ويتمكن أصحاب الأراضي من التفويت بالبيع للخواص

مراسلنا أكد أن مسؤولا بلديا أشار إلى أن البلدية قد أصدرت 7 قرارات هدم سنة 1998 لكنها لم تنفذ وقد نفذت بواسطة القوة العامة سنة 2015.

كنوز أثرية أصابها الإهمال

وفي سياق رصد وضع المعالم الأثرية ببلادنا، كشف مراسلنا في ولاية القصرين يوسف أمين وحسب إحصاء رسمي تقديري أن أكثر من 3300 موقعا اثريا موجود في جهة القصرين وهو عدد قابل للارتفاع عند اكتمال المسح والحفريات المبرمجة التي توقفت منذ سنوات. وتعتبر المنطقة من أكثر ولايات الجمهورية من حيث مساحة المواقع إذ تمثل حوالي ثلث المناطق الأثرية بالبلاد، أهمّها "السليوم" بالقصرين المدينة على ضفاف وادي الدرب و"سفيطلة" بسبيطلة شرق الولاية و"اميدرة" بحيدرة في أقصى شمال غرب القصرين و"تلابت" جنوب الشعانبي و"سيفاس" بسبيبة "تالة" شمال الجهة و"فريانة" جنوبها كما توجد مواقع بأغلب جبال الجهة وخاصة الشعانبي، الذي يتضمن مدينة اثرية و مجموعة كبيرة من المعاصر لم يقع اكتشاف جميع أجزائها..

 وأضاف مراسلنا أن هذه المواقع تحتوي على مدن وكنائس ومسارح وقلاع وحمامات وبقايا مساكن وحصون ومعابد ومعاصر زيتون وأضرحة كبرى وأقواس من الحقبات الرومانية والوندالية والبيزنطية والعربية لكنها تعاني الإهمال ماعدا الموقع الأثري سبيطلة «سفيطلة»، الذي تحول قبل الثورة إلى منتزه اثري وتمت تهيئة ممراته لكنه ما يزال يفتقر إلى غياب اللوحات التوجيهية والعناية أكثر بالممرات وإزالة الأعشاب الطفيلية منها ، والبقية كلها تحتاج إلى الصيانة للمحافظة عليها وحمايتها من النهب والسرقة.

بلديتان سياحيتان لكن

وأشار مراسل «الصباح الأسبوعي» بالقصرين إلى مسألة إدراج كل من سبيطلة ثم حيدرة كبلديتين سياحيتين بعد الثورة وكان من المفروض أن تنتفعا بمساعدات من ديوان السياحة ووكالة التنمية لسياحية، لكن ذلك لم يكن بالقدر المطلوب وخاصة في حيدرة التي لم تستفد بشيء يذكر من تصنيفها كبلدية سياحية، في حين تقرر في سبيطلة توسيع المنطقة الأثرية بـ 40 هك مقابلة للنزلين المحاذيين للموقع الأثري، وتمت تهيئة مدخل المدينة القريب منه ومضاعفته وانجاز مفترقين دائريين به ممّا غيرا كليا وجه المنطقة الأثرية والسياحية المحاذية لها.

وعلى اثر نهب البعض من محتوياته قبل الثورة من طرف عصابات سرقة الآثار وتورط عناصر مقربة من النظام السابق في ذلك تم غلق المتحف الأثري بسبيطلة وبعد أكثر من خمس سنوات وإثر احتجاجات من مكونات المجتمع المدني ورجال الثقافة بالجهة وقعت تهيئته من جديد وافتتحته وزيرة الثقافة السابقة لطيفة لخضر أواخر 2015 إلا انه - وحسب تقرير مراسلنا- لا يزال يفتقر إلى مقومات متحف اثري وهو يحتاج إلى مزيد العناية به، وفي المقابل فإن المتحف المبرمج بمدينة حيدرة منذ ما قبل الثورة لم ير النور بعد، وقد تم تخصيص كنسية لاحتضانه إلا أن أشغال تهيئتها طالت أكثر من اللازم.

وفي حيدرة كذلك تمت برمجة انجاز مركز استقبال سياحي في المنطقة الأثرية قبل الثورة، لكن المعهد الوطني للآثار أوقف العملية بعد اكتشاف موقع اثري في قطعة الأرض المخصصة لذلك، فتم تغييرها بأخرى بعيدة عنها غير أن المشروع مازال متعطل.

عصابة صفاقس والإرهاب

وأكدت مصادر من مصالح حماية التراث بالقصرين لمراسل «الصباح الأسبوعي» أنه تم مؤخرا العثور لدى عصابة متخصصة في سرقة الآثار وقع إلقاء القبض على أفرادها بصفاقس على قطع أثرية مسروقة قبل الثورة من متحف سبيطلة، كما تعرضت عديد المواقع خلال فترة ما قبل الثورة وفي سنتي 2011 و2012 خلال فترات الانفلات الأمني إلى النهب من خلال قيام عصابات الآثار بحفريات ليلية واستيلائهم على كنوز لم يقع تحديدها بعد.

واستدرك مراسلنا: "رب ضارة نافعة فمنذ تمركز المجموعات الإرهابية بجبال القصرين في 2013 ونظرا لقرب أهم المواقع من المناطق العسكرية المغلقة، التي ينتشر فيها الجيش، لم تسجل عمليات نهب للآثار لان عصابات سرقة القطع الأثرية تخشى الوحدات العسكرية والدوريات الأمنية، المتمركزة ليلا نهارا ممّا ساهم في حماية المواقع".

ودائما حسب مصالح حماية الآثار فإنه تم في المدة الأخيرة تسجيل اعتداءات على المواقع الأثرية بكل من تلابت وفريانة عن طريق بعض شركات مقاطع الحجارة البيضاء المتمركزة بضواحي المنطقتين والتي تتولى استخراجها لتصنيع كربونات الكالسيوم منها (تستعمل في إنتاج الدهن ومعجون الأسنان ومكونات الحواسيب وغيرها)، وقد تم تحذيرها كثيرا ورفع مخالفات ضدها من طرف اللجنة المشتركة، التي تضم ممثلين عن وزارات الثقافة وأملاك الدولة والعدل.

مائة ألف دينار لترميم سور صفاقس

في المقابل أفادنا مراسلنا بعاصمة الجنوب الحبيب عبيد أن آثار صفاقس تحظى بالاهتمام والعناية وأبرزها السور، الذي تم بناؤه في العهد الأغلبي ذي الشكل المستطيل غير متقايس الإضلاع ويمتد على طول 2750 متر فيما يتراوح ارتفاعه بين 7 و11 متر حسب توبوغرافية المكان وهو يتكون من شرفات ومحارس ورباطات وأبراج دفاعية وقد أقام بهذه القلاع علماء مرابطون طيلة قرون ... وإضافة إلى محتويات المدينة العتيقة كالجامع الكبير والمدارس القرآنية المتعددة والزوايا والحمامات، حظي هذا المعلم باهتمام كبير من قبل التفقدية الجهوية للتراث وتمت صيانته وتعهده بانتظام وآخر ما رصد إليه من أموال مائة ألف دينار لترميمه والمحافظة على رونقه.

 وحسب مراسلنا بصفاقس فإن المدينة العتيقة ومكوناتها ستكون المحور الأساسي في اهتمامات الهيئة المكلفة بالإشراف على صفاقس عاصمة للثقافة العربية وذلك بتنوير السور بطريقة فنية وبإقامة مسلك سياحي بالمدينة يربط بين معالمها الأثرية وخاصة فندق الحدادين الذي تحول منذ سنوات إلى فضاء ثقافي بارز.

ولم يقتصر الاهتمام على المدينة العتيقة بل شمل طينة الأثرية وأكولا وبطرية بجبنيانة والرقة على مشارف مدينة لحم ويونقة بالمحرس و برج الحصار بقرقنة علما وأن المدينة العتيقة تحتوي على 80 معلما إسلاميا منها ما اندثر ومنها من صارع الزمن وظل صامدا كالجامع الكبير والقصبة ومنارة سيدي عمر كمون وزاوية سيدي بلحسن الكراي فضلا عن المعالم الموجودة بالمناطق الريفية كسيدي احمد بيونقة وسيدي مهذب بالصخيرة وسيدي أبي اسحاق الجبنياني وصيد عقارب مشددا على ضرورة العناية اليومية بهذه المعالم خاصة المدينة العتيقة التي تعاني أبوابها من أكداس وجبال من فضلات المصانع الحرفية الموجودة بالمدينة.

 رصدنا مجددا لملف الآثار وتراثنا المّادي واللامّادي هو محاولة جديدة للفت انتباه السلطة المشرفة ونعني وزارة الثقافة ووزيرتها الجديدة، لعّلها تكون أجرأ من سابقيها وتعطي أهمية أعمق لهذه المسألة خصوصا فيما يتعلق بمزيد تنقيح القوانين والعقوبات المرتبطة بجرائم الآثار وجعلها أكثر صرامة والبحث عن سبل أكثر فعالية تمكننا من استرجاع ما نهب من بلادنا ولمّا لا محاولة استغلال ثرواتنا وكنوزنا الأثرية في خططنا التنموية من خلال استثمارها في مجال السياحة الثقافية وتوفير مواطن شغل لشبابنا العاطل في جهة القصرين على سبيل الذكر، التي تملك قرابة ثلث آثارنا ومع ذلك تفتقر لأبرز مكونات التنمية.

 

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد