التعليم العالي في تونس.. الأزمة.. وآفاق الإصلاح - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 23 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
24
2018

التعليم العالي في تونس.. الأزمة.. وآفاق الإصلاح

الأحد 17 جانفي 2016
نسخة للطباعة
التعليم العالي في تونس.. الأزمة.. وآفاق الإصلاح

 هذا الملحق..بين "الصباح" و"لمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس"

في إطار نشاطه العلمي وضمن سلسلة الموائد المستديرة التي ينظمها احتضن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس بالتعاون مع «دار الصباح» يوم الجمعة 08 جانفي 2016 على الساعة الثالثة بعد الظهر مائدة مستديرة حول «التعليم العالي في تونس: الأزمة وآفاق الإصلاح».

أدار الجلسة الأستاذ مجدي فارح وشارك فيها بمداخلات ثرية كل من الأساتذة د.محمد دمق رئيس جامعة تكنولوجيا المعلومات وإدارة المؤسسة والأستاذ نزار بن صالح الكاتب العام الحالي للفرع الجامعي للتعليم العالي والبحث العلمي بتونس ود. منير الكشو أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية ود. أحمد بوعزي أستاذ جامعي متقاعد مختص في الخلايا الشمسية.

افتتح السيد مهدي مبروك مدير المركز المائدة حيث ذكر أنه أول نشاط للمركز للسنة الجديدة 2016 بالتعاون مع «جريدة الصباح» وأشار إلى أن الملحق سيصدر الأسبوع القادم. ثم شكر الجميع على الحضور متمنيا لهم عاما سعيدا.

أعطى السيد مهدي مبروك مدير المركز الكلمة للسيد مجدي فارح والذي شكر بدوره المركز للتطرق لهذا الموضوع وأشار إلى عدد من النقاط لإثراء النقاش منها: مشروع الإصلاح الوزاري: المؤاخذات والمقترحات والخارطة الجامعية.

 

 

لماذا هذا الملحق، ولم بدأنا بمشروع إصلاح التعليم العالي؟

بقلم: مهدي مبروك*

يلبي هذا الملحق الذي ينجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.تونس بالتعاون مع “جريدة الصباح” حاجة ملحة تعبر عنها ضمنيا أو صراحة فئات واسعة من الرأي العام والنخبة العلمية معا. لقد بينت مساحات الحرية الشاسعة التي أهدتنا إياها الثورة أن مجتمعانا غير محللة بما يكفي على حد قول جاك بيرك . فأينما تولي وجهك ويجول بصرك ويحلق خيالك ستجد مئات الظواهر، (الإدمان، الانتحار، العنف، الإرهاب، العنوسة، المديونية،العدالة الاجتماعية،البطالة والتفاوت الجهوي...) التي رغم ما أنتجته حولها النخب ظلت في جزء كبير منها حبيسة رفوف الجامعات فضلا عن تراجع عادة القراءة وخصوصا قراءة الأبحاث الأكاديمية. كما نعتقد أن اطلاع الرأي العام بمعناه الواسع على ما تكتبه النخبة يحتاج إلى وسيط إعلامي يعرف بإسهاماتها العلمية في تفسير أو فهم وتحليل ما يحدث في مجتمعاتنا الحالية على صعيد السياسي والثقافي والاجتماعي الخ...

لا شك أن هناك فجوة تستحق التجسير بين النخب الأكاديمية والجمهور العريض من القراء خصوصا قراء جريدة عريقة مثل “الصباح” التي رغم كل التباسات المشهد الإعلامي الحاصل ظلت متحلية برصانتها وموضوعيتها ومهنيتها رغم صعوبة أن تكون كذلك في السياقات التي نعلم ملامحها جميعا.

فخارج كتابة التخصصات الضيقة يطمح هذا الملحق كما بينا سابقا إلى إبراز اهتمامات النخبة التونسية العلمية وتنوع مقارباتهاوتعدد اختصاصاتها وتثمين قدراتها علها تسهم بذلك في اقتراح سبل معالجة تلك الظواهر، وهذا بعد من أبعاد النقاش في الفضاء العام.

على أن هذا الملحق لا يسعى مطلقا إلى “صناعة الخبراء” أو إبرازهم فهو زاهد في ما فاضت به الساحة بهم ولكن على خلاف ذلك يطمح الملحق إلى إتاحة الفرصة للنخب العلمية حتى تتواصل مع الرأي العام الذي يلعب الإعلام والصحافة المكتوبة بشكل خاص دورا مهما في تشكيله وذلك في سياقات معقدة ومركبة بعيدا عن أي توظيف أو تلاعب به. فعلى قاعدة الجدارة العلمية وضمن التنوع سيكتب التونسيون من أكاديميين ومختصين من مختلف الجماعات العلمية في مسائل نتكلم حولها ونخوض فيها ولكن لا نعلم ما هي على وجه الدقة حتى تحولت غاية الكلام قول اللاشيء كما كتب بيار بورديو ذات مرة.

لا شك أن هناك طلبا اجتماعيا ما على أن تكتب النخبة شريطة أن يكون خطابا رصينا علميا وهادئا وتلك أولى لبنات تجسير الهوة التي اشرنا إليها سابقا.

من أجل ذلك ولاعتقادنا أن الجامعة ستظل مصنع النخب العلمية بلا منازع وبعد التشاور مع شريكنا جريدة “الصباح” خصصنا العدد الأول من هذا الملحق إلى مسالة إصلاح التعليم العالي. خصوصا وأن مشروع إصلاح التعليم العالي هذا لم يحظ، على خلاف مشاريع الإصلاح الأخرى المتعلقة بالمنظومة التربوية، بما يستحق من اهتمام الرأي العام.

وبقطع النظر عن قلة الاهتمام التي رافقت إلى حد الآن هذا المشروع رغم أهميته علاوة على خطورة بعض المؤشرات المتعلقة به على غرار بطالة أصحاب الشهائد العليا وتراجع قيمة هذه الشهائد الممنوحة فضلا عن التباس الخارطة الجامعية وضعف نتائج البحث العلمي والتصنيف المحير لجامعاتنا على الصعيد الدولي فان إصلاح منظومة التعليم العالي غدت أكثر من ضرورية.

يتقدم مشروع إصلاح التعليم دون أن يثير بما يكفي من جدل مجتمعي ولكن نعتقد أن مصير البلاد يظل محكوما إلى حد ما ولسنوات عديدة بما سيؤول إليه أمر هذا المشروع. علينا ألا ننسى أن الثورة التونسية ما كان لها أن تندلع بمثل تلك السرعة لولا مناخ الخيبة الذي زرعته بطالة أصحاب الشهائد الجامعية . كان ذلك بعض من هشيم تلقفته نار البوعزيزي الملتهبة.

* مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس

 

تقريب أنشطة مراكز البحث الأكاديمي من عموم القراء..

هذا الملحق الشّهري الّذي نضعه بداية من اليوم بين يدي قرّاء جريدة “الصّباح” والّذي ستكون كلّ أعداده اللاّحقة مخصّصة ـ حصريّا ـ للتّعريف بأنشطة “المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بتونس” يتجاوز من حيث أهدافه البعدين الإخباري والإعلاني في مفهومهما الإعلامي “الضيّق” ليصبّ في مسعى تقريب إسهامات النّخب الفكريّة والأكاديميّة والباحثين من الرّأي العام وعموم القرّاء.. وهي في الواقع “مهمّة” لم تكن غائبة عن الرّسالة الّتي اضطلعت بها ـ تاريخيّا ـ جريدة “الصّباح” على امتداد أكثر من ستّة عقود من عمرها.. فهذه الجريدة الوطنيّة العريقة الّتي يقول عنها الدّكتور مهدي مبروك وزير الثّقافة الأسبق ومدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بتونس” أنّها “ظلّت رغم كلّ التباسات المشهد الإعلامي المستجدّ بعد الثّورة متحلّية برصانتها وموضوعيّتها ومهنيّتها..” (أنظر كلمة مهدي مبروك “لماذا هذا الملحق ولم بدأنا بمشروع إصلاح التّعليم العالي؟”) كانت دائما وستظلّ منبرا إعلاميا يتواصل من خلاله ـ لا فقط ـ رموز السّياسة وصنّاع القرار ومشاهير الفنّ والرّياضة مع الرّأي العام الوطني والقطاع العريض من التّونسيّين وإنما أيضا المثقّفون والأكاديميّون اعتبارا ـ من جهة ـ للقيمة الفكريّة لهذه “الشّريحة” من المثقّفين واعتبارا ـ من جهة أخرى ـ لواجب وضرورة وأهميّة ردم الهوّة ـ ولو نسبيّا ـ بين الإسهامات العلميّة والمعرفيّة الّتي ينتجها هؤلاء الباحثين ومراكز البحث العلمي والأكاديمي خاصّة في مجال رصد وتحليل ما يطرأ على مجتمعاتنا من تغيّرات وظواهر سياسيّة وثقافيّة واجتماعية وبين الجماهير العريضة من مختلف الشّرائح..

التّعليم العالي في تونس.. الأزمة وآفاق الإصلاح

المائدة المستديرة الّتي نخصّص لها صفحات هذا العدد الأوّل من هذا الملحق الشّهري والّتي انتظمت مؤخّرا بمقرّ “المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بتونس” وحضرها عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيّين والخبراء تمحورت حول موضوع “التّعليم العالي في تونس: الأزمة وآفاق الإصلاح” وهو موضوع هامّ و”إشكالي” أيضا ـ لا فقط ـ اعتبارا للاختلاف القائم حول “طبيعة” مشروع الإصلاح الّذي يراد له أن يستهدف منظومة التّعليم العاليفي تونس اليوم وإنما اعتبارا أيضا لما يبدو أنّه عمليّة “تعتيم” مقصودة يراد لها أن ترافق هذا المشروع حتّى يظلّ حبيس الفضاء الإداري والأكاديمي الضيّق وبعيدا عن “مسمع ومرأى” الرّأي العام الوطني الواسع..

الورقات العلميّة الأربع الّتي ألقيت في هذه المائدة المستديرة حول موضوع “التّعليم العالي في تونس:الأزمة وآفاق الإصلاح” والّتي تجدونها منشورة كاملة على صفحات هذا الملحق جاءت بإمضاء الأساتذة أحمد بوعزّي ومنير الكشو ونزار بن صالح ومحمّد دمّق وجميعهم “من أهل الذّكر”.. مارسوا “المهنة” و”عايشوا” عن كثب العوائق الّتي لا تزال تحول دون أن يكون للجامعات التّونسيّة دورها المأمول في المجتمع التّونسي ـ لا فقط ـدورها الأكاديمي والمعرفي وإنما أيضا الاقتصادي والاجتماعي والتّنموي.. وإلا ماذا يعني ـ مثلا ـ هذا التّرتيب “الكارثي” للجامعة التّونسيّة اليوم في سلّم الجامعات العالميّة؟ وماذا يعني هذا التّراجع غير المشرّف في قيمة الشّهائد العلميّة الّتي تمنحها الجامعات التّونسيّة؟ ولماذا يجد أصحاب الشّهادات العلميّة من خرّيجي الجامعات التّونسيّة أنفسهم عاطلين عن العمل ولا من مشغّل؟

هذه الأسئلة وغيرها تمحور حولها أيضا النّقاش الّذي أعقب الجلسة العلميّة وهو نقاش ساهم فيه وأثراه باحثون وجامعيّون بارزون بعضهم لا يزال يدرّس في الجامعة التّونسيّة وبعضهم الآخر تحمّل مسؤوليّات إما سياسيّة أو إدارية (الجامعي ووزير التّربية الأسبق الأستاذ فتحي جرّاي وشكري مبخوت الرّئيس الحالي لجامعة منّوبة) ـ على سبيل الذّكر لا الحصر ـ

لا نريد أن نسترسل أكثر في الحديث حول مضامين النّدوة وذلك حتّى لا نفسد عليكم لذّة اكتشاف ما اشتملت عليه جلسات هذه المائدة المستديرة حول موضوع “التّعليم العالي في تونس:الأزمة وآفاق الإصلاح” من نقاش أكاديمي صريح لذلك نحيلكم مباشرة على ورقات هذا الملحق “النّوعي” والّذي سيتجدّد لقاؤكم معه شهريّا بإذن اللّه..

 

واقع قطاع التعليم العالي الخاص في تونس وآفاق تطويره

محمد دمق*

تتناول هذه الورقة واقع التعليم العالي الخاص ومكاسبه منذ 2001 والعوامل المعرقلة لتطوره ونموه الاستراتيجي الدولي وما هي عوامل وشروط نجاحه. إلى ذلك سنورد جملة من التوصيات المتعلقة بالتشجيعات الجبائية لهذا القطاع ووضعية الطلبة الأفارقة.

الواقع:

مكاسب قطاع التعليم العالي الخاص:

من أهمها الإطار القانوني المنظم له منذ جويلية 2000 والمراسيم والقرارات منذ سبتمبر 2000 والتي تهدف أساسا إلى:

وضع قواعد سلوك بيداغوجي مماثلة للتي في قطاع التعليم العالي العمومي.

الحصول على الاعتراف الدولي بالشهائد العلمية.

التحسن التدريجي للسمعة من ذلك أن عدد الطلبة المسجلين قفز من 2500 في سنة 2001-2002 إلى 3000 في سنة 2014-2015 من بينهم 500 طالبإفريقي.

توسيع قائمة التجهيزات البيداغوجية المعفاة من الاداءاتالجمركيةومن الأداء على القيمة المضافة (مرسوم سنة 2003 المحور لمرسوم سنة 1994(.

العوائق الأساسية:

مشكل قانوني: عانى هذا القطاع من صورة سلبية خلال السنوات 1993 – 2000. منذ 2001 هناك مجهودات جبارة لتحسين جودة الأداء البيداغوجي ومع ذلك يبقى هذا القطاع يعاني من ثلاث مشاكل رئيسية. الأولى تهم الإطار القانوني المنظم لهذا النشاط من ذلك عدم تفعيل الفصلين 52 و49 من مجلة التشجيع على الاستثمار عدد 93-120ل27/12/1993 والمرسوم عدد 2540/2003 ل11/12/2003 والقاضي بصرف منح استثمار وتحمل الدولة لجزء من الأجور والمساهمة في الضمان الاجتماعي والإعفاء الضريبي حول التكوين المهني.

ومن المفارقات أن مؤسسات التعليم العالي الخاص معفاة من الأداء على القيمة المضافة على مستوى بيع خدماتها في حين لا تستفيد من ذلك على مستوى الشراءات. وزيادة على انه لم يقع تفعيل هذه الآليات والتي هي أصلا غير كافية، فمؤسسة التعليم العالي الخاص رغم أنها تخضع إلى القانون الخاص فان لها نشاط اجتماعي وعمومي من ذلك المساهمة في تخفيض العدد الهائل من الطلبة وهو مشكل تعاني منه المؤسسات العمومية.

كما ان القانون لم ينظر في المسيرة المهنية للمدرسين وسلم التدرج مما خلق مشكلا على مستوى الانتداب وخاصة على مستوى المعاليم المدفوعة لصندوق الحيطة الاجتماعية.

مشكل إجرائي حيث أن سلطة الإشراف تعتمد مقاربة إجرائية خاصة بالإدارة العمومية في حين الواجب اعتماد منظومة إدارة تستند إلى سوق الشغل وحاجيات المؤسسة وهذا ما منع التفاعل الايجابي مع حاجيات سوق الشغل وخلق أكثر شهائد جامعية جديدة مما ساهم في تعميق بطالة حاملي الشهائد الجامعية.

مشكل غياب نظام الجودة والاعتماد في حين علينا الانخراط في منظومة جودة ومعايير دولية وإتباع نظامالتقييم. هذا شرط أساسي لتطوير نظام التعليم ولا بد من خلق إدارة عمومية تعنى بالتاطير وتساهم في تطوير نظام الجودة الشامل.

آفاق القطاع ونموه:

إن التموقع الاستراتيجي على المستوى الدولي يستلزم إصلاحا عميقا للإطار القانوني المنظم للقطاع وقانونا جبائيا واضحا يمكنان التعليم العالي التونسي من الإشعاع الإقليمي على المدى المتوسط ومن الإشعاع الدولي على المستوى البعيد إلى جانب تحسين قدرته التنافسية لمواجهة طلب متزايد من البلدان العربية والإفريقيةوحتى من بلدان الشرق الأوسط. لكل هذا يجب أن نأخذ في الاعتبار جملة من النقاط والتي تهم أساسا إعادة احتساب تكلفة الاستثمار وتخفيضها والتنسيق أكثر وأفضل بين القطاعين العام والخاص مع توزيع واضح لدور كل منهما. وعلينا بناء علاقة ثقة مع سلطة الإشراف وتنويع المسالك التعليمية بما يتناسب وحاجيات السوق والاهتمام بتأصيل نظام الجودة.

وحول مثال تنمية هذا القطاع فالهدف هو تبني المعايير الدولية والوصول الى مرتبة مشرفة على مستوى الترتيب الدولي للجامعات. ولهذا وجب أن يتم الإصلاح العميق لنظام التعليم العالي وللنظام التربوي عموما مع دعم الميزانية المرصودة والموارد المالية وإعادة النظر في وضعية الباحثين في إطار علاقة جديدة بين القطاعين العام والخاص. هذا مع تقييم الكفاءات والتكوين والبرامج.

هناك محاور إستراتيجية يجب العمل وفقها وتهم أساسا نظام الجودة والتقييم وإيجاد هيكل مستقل يعنى بهذا الشأن. إلى ذلك ترشيد نظام التأهيل الذي ينظر في الشهائد الجامعية الوطنية والدولية و إدراج نظام التعليم العالي الخاص داخل النظام الدولي -فصل إدارة نظام الجودة و الاعتماد عن إدارة نظام التأهيل.

آليات التنفيذ: خلق بنية أفقية متعددة الاختصاصات تسهر على احترام قواعد القيم المشتركة بين الغايات والرؤى والمحاور الإستراتيجية.

خلق بنى مختصة تمثل الأطراف لمعنية والمتدخلة في هذا القطاع.

إرساء عادة التقييم السنوي الخاص بالنتائج ونقاط القوى والضعف والفرص المتاحة وتقييم المخاطر.

 

التوصيات:

توصيات تنظيمية:

إجراء تحكيم موضوعي بين تكلفة الاستثمار والاشتغال في ما يخص بعث مؤسسات تعليمية عمومية جديدة او تشجيع بعث مؤسسات خاصة وذلك وفق معايير موضوعية.

الرفع من تمثيلية القطاع الخاص من %9 إلى %20 أسوة ببلدان عربية كالمغرب، لبنان، الأردن ومصر.

إجراء إعادة صياغة للإطار التشريعي والقانوني والجبائي وتمكين القطاع الخاص من وضعية نظام حرOffshore وإعفاءه من الأداء على القيمة المضافة خاصة أن دوره يكتسي طابعا عموميا واجتماعيا.

تحسين وتنسيق قوانين الصناديق الاجتماعية وملاءمتها للمقتضيات المهنية لهذا القطاع.

مراجعة القانون عدد 59 لشهر أوت 2008.

تنظيم وتوضيح تدخل سلطة الإشراف مع ما يتوافق والطبيعة القانونية وحاجيات القطاع الخاص.

منح تسمية «جامعة» لمن هي جديرة بذلك من مؤسسات التعليم العالي الخاص واعتبار تمثيلية هذا القطاع داخل مجلس الجامعات.

إصدار نص قانوني حول المسيرة المهنية للإطار التدريسي.

توصيات إجرائية:

إحداث آلية لتنسيق وإدارة التشجيع على الاستثمار في قطاع التعليم الخاص.

إحداث نظام إنصات متبادل بين الوزارة والقطاع.

تمكين تراخيص للشهائد الجامعية الجديدة واعتماد حاجيات السوق كمحدد وحيد لهذا.

تسوية وضعية المؤسسات التعليمية الخاصة في ما يهم خلاص الصندوق الوطني للحيطة الاجتماعية.

إرساء المرونة في ما يخص التراخيص المسندة للمدرسين من القطاع العمومي.

الطلبة الأفارقة والتحديات المعيقة لنمو التعليم العالي الخاص:

لرفع هذه التحديات وجب أولا الكف عن احتقار التعليم العالي الخاص وإعطاء طلبته نفس الحقوق التي يتمتع بها طلبة القطاع العمومي. وحتى تتمكن تونس من استقطابعدد اكبر من الطلبة الأجانب يجب علينا تحسين خدمات الاستقبال والسكن ونظام الإرشاد والتوجيه وتحسين نظام إسداء التأشيرة ورحلات السفر. كل هذه النقاط والاخلالات المصاحبة لها تسببت في إنقاص عدد الطلبة الأفارقة من 12000 سنة 2012 إلى 5000 فقط الآن.

إن وضع خطط للنهوض بقطاع التعليم الخاص يمكن من جعله قبلة للطلبة الأفارقة ومن ترفيع المردودية الاقتصادية من ذلك مثلا أن رقم المعاملات المسجل عام 2012 قارب ال100 مليون يورو وهو ما يوازي حجم الصادرات لتونسية نحو إفريقيا. انه من الممكن في حدود 5 سنوات أن نضاعف 10 مرات عدد الطلبة الأفارقة مما يساهم في حدود 10% - 15% من تخفيض عجز الميزان التجاري.

لذلك وجب تحسين الخدمات المقدمة عبر خلق إدارة عمومية أفقية لها قوة تقريرية تمثل الوزارات والهيئات العمومية المعنية وتعنى بالنظر في مشاكل التأشيرات والرحلات الجوية والاستقبال والإقامة والسكن وغيره. خاصة وان الطلبة الأفارقة أصحاب الشهائد الجامعية سيساهمون مستقبلا من خلال مواقعهم ووظائفهم في التعريف بالبلاد التونسية.

* رئيس جامعة تكنولوجيا المعلومات وإدارة المؤسسة

TIME Université

 

مسألة تقييم أداء المدرسين الجامعيين وأثرها على جودة أداء الجامعات

منير الكشو(*)

إن مسألة تقييم أداء الجامعيين تطرح نفسها بإلحاح لعدة اعتبارات. أوّلها أن تقييم أداء الجامعات والتعليم العالي عموما فرض نفسه من خلال فعل التدويل "internationalisation" للتعليم العالي ومن خلال التصنيفات سواء العالمية أو القارية أو الخاصة بمنطقة ما وكذلك باعتبار الاتجاه المتزايد على الصعيد العالمي نحو إعطاء مزيد من الاستقلالية للجامعات والمؤسسات الأكاديمية في إدارة نفسها بنفسها وتحمل مسؤوليتها في جودة مخرجاتها العلمية. لذلك كل منظومة وطنية للتعليم العالي لا تقوم بنفسها بتقييم أداء جامعاتها على نحو علمي ومنتظم وفق مقاييس واضحة وشفافة تقترب من المعايير الدولية تجد نفسها في مراتب متدنية في التصنيفات العالمية وتفوّت على نفسها فرصة إرساء منظومة تكوين وتعليم عال وبحث علمي قادرة على خدمة مقتضى التنمية وجلب الاستثمارات النوعية التي تكون بلادها في حاجة لها لخلق الثروة والترفيع في القيمة المضافة لمنتجاتها. لا أحد بطبيعة الحال راض على الوضع الذي عليه جامعاتنا الآن والجميع من أساتذة وطلبة ومواطنين ومسؤولين سياسيين يؤكد على ضرورة الإصلاح لكن كثيرا ما تجد إرادة الإصلاح نفسها بين ضغط الإحساس بضرورة التغيير والخوف من جهة أخرى أن يضرّ الإصلاح بجملة من المكاسب وإن كانت مقترنة بوضع يقرّ الجميع برداءته. ذلك في حقيقة هو الانطباع الذي يحصل عندما نقرأ المشروع المقترح من قبل الوزارة لبرنامج الإصلاح 2015-2025. إذ نجد حديث عن التقييم وعلى ضرورة تحسين المخرجات العلمية ولا نجد أي اهتمام بمسالة قياس جودة التدريس وجودة البحث ولا أي إشارة إلى ضرورة استحداث هيئات وطنية للتقييم والاعتماد وقياس جودة مخرجات ومدخلات التعليم العالي. وهذه المسألة هامة لأن وراءها رهان صعب يتمثل في ضبط الميزانية لكل جامعة من سلطة الإشراف وأولويات التمويل في المستقبل عندما يقع التوجه نحو استقلالية .

يجب أولا التذكير أن مهنة الأستاذ الجامعي أو لنقل الأستاذ الباحث تتمثل في التدريس والبحث والتسيير والإدارة أيضا باعتباره يمكن أن يضطلع إلى جانب مهمتي التدريس والبحث بمهمة إدارة إحدى مؤسسات التعليم العالي. لكننا نعتبر أن المهمّة الأصليّة للجامعي تظل التدريس والبحث والإشراف على بحوث الطلبة التكوينية في الماجستير والدكتوراه إضافة إلى التقييم الذي يمارسه في لجان الانتداب والارتقاء أما الإدارة فهي مهمة ثانوية ويجب فصلها عن المهام المقترنة بالصفتين السابقتين. ويطرح مشكل تقييم أداء الجامعيين على مستويين مختلفين. فإذا كنا نمتلك عموما آليات لتقييم المنتجات العلمية والبحثية من خلال تقييم النظراء "évaluation par les pairs" عند الترشح للارتقاء في السلم الوظيفي ومن خلال الببليوميتريا التي تعتمدها التصنيفات العالمية إلا أننا لا نمتلك أدوات لقياس جودة التدريس.

ويبرز المشكل على نحو خاص حينما ننظر في عملية الانتداب للأساتذة الباحثين. فهؤلاء قد انتدبوا لكفاءاتهم في البحث ولقيمة كتاباتهم ومقالاتهم واستجابتها لمقاييس الجودة، كما هي معروفة لدى الجماعة العلمية في الاختصاص، لكنهم سيضطلعون بعد الانتداب بمهمّة التدريس التي لا تعرف اللجنة التي أوصت بانتدابهم بمدى قدرتهم على تأمينها على أحسن وجه. صحيح أن البعض من المنتدبين، في بعض الاختصاصات، قد حازوا على تجربة في التدريس في التعليم الثانوي وعلى تأطير ومرافقة بيداغوجية من قبل متفقدين والبعض منهم توّجها بالنجاح في مناظرة التبريز للتعليم الثانوي في اختصاصه، لكن عدد كبير من المدرسين الباحثين في معاهدنا العليا وفي جامعاتنا لم يمرّوا بهذا المسلك ولم تكن لهم تجارب سابقة في التعليم. كما أن الانتداب عبر الدرس الذي يقدّمه المترشّح أمام اللجنة منحصر فقط في خطة أستاذ محاضر، في بعض الأحيان ووفق طبيعة الخطة المحدثة، أما بالنسبة لخطة مساعد أو أستاذ مساعد أو أستاذ تعليم عال فالانتداب لا يكون عبر الدرس. ويتعقّد المشكل أكثر عندما نأخذ بعين الاعتبار أن لا مجلس القسم ولا المجلس العلمي مخوّلين قانونا لمتابعة عمل المنتدبين الجُدد ومرافقتهم بيداغوجيا وتقييم أدائهم رغم أنهم يقومون بترسيمهم أو إثباتهم في خطّتهم. كيف يمكن إذن حلّ هذا المشكل؟ أعتقد أن الحلّ يكمن أولا في تركيز اللجنة الوطنية للتقييم والاعتماد وتفعيل دورها في تقييم مخرجات التعليم العالي ومستوى التكوين والتأطير. ويمكن في ذلك اعتماد بعض المؤشرات الموضوعية لقيس جودة التكوين: الأول يتعلق بالنسبة للعديد الاختصاصات بنسب النجاح للخرّجين في مناظرات الانتداب سواء في التعليم الثانوي ( التبريز أو كباس أو القبول في المعاهد العليا للتربية عندما يقع بعثها) أو النجاح في مناظرات القبول في المعهد الأعلى للمحاماة أو المعهد الأعلى للقضاء أو الانتداب في الوظيفة العمومية والثاني يتمثل في إلزام الجامعات ببعث مراصد لقيس نسب انصهار خريجيها في سوق الشغل ومدّ اللجنة الوطنية للتقييم بمعطيات محيّنة وثالثا إيجاد طريقة لجعل الطلبة يقيّمون الدروس التي تقدّم لهم وأداء الأستاذ وطريقة عرضه ومدى الانسجام بين الدرس النظري والدروس الموجّهة والتطبيقية. رابعا، بعث خطط لأساتذة مختصين في التعليمية "didactique" في جميع الاختصاصات وإعادة الاعتبار لهذا المجال على مستوى الانتداب والخطط المحدثة كما هو الحال في جلّ الجامعات المتقدمة.

أما الجزء الآخر من عمل الأستاذ الباحث فيتمثل في البحث والنشر والإشراف على بحوث الطلبة. تجدر الملاحظة هنا أن في بعض البلدان، فرنسا مثلا منذ 2007، أصبح عمل الأستاذ الباحث مهما كان الصنف الذي ينتمي إليه يخضع إلى تقييم دوري من قبل المجلس الوطني الجامعي كل أربع سنوات بناء على تقرير مفصل عن الأنشطة التي تعاطاها والبحوث التي أجراها والمنشورات التي قام بها. ثم أن مجالس إدارة الجامعات تتولى على ضوء ذلك ضبط موازنة المدرس وعدد ساعات التدريس إذ تزيد ساعات التدريس كلما كانت البحوث قليلة أو منعدمة. ويمكن أن نميز بين طريقتين في تقييم جودة البحوث: الأولى هي تلك التي تعتمدها التصنيفات العالمية والتي تعتمد على البيبليومترا  أي عدد البحوث المنشورة في مجلة محكّمة مع قياس نسب الاستشهاد بها في الأبحاث العلمية المنشورة في الاختصاص لكن هذه الطريقة وإن كانت فرضت نفسها على الصعيد العالمي إلا أنها فتحت الباب أما أشكال عديدة من التحايل والغش مثل الانتحال العلمي أو تجزئة مقال إلى مقالات لزيادة عدد المنشورات أو الاتفاق بين أصدقاء على الاستشهاد يبعضهم البعض. أما الطريقة الثانية والتي يمارسها الجامعيون باستمرار فهي التقييم من خلال النظراء فالجامعيون يخضعون للتقييم عند الانتداب وعند الترقية وعند تقديم مقال للنشر في مجلة تمتلك لجنة قراءة أو عند تقديم مقترح مداخلة في ملتقى أو مؤتمر علمي أو عند تقييم المخابر أو وحدات البحث. لكن في تونس يتعيّن لجعل عمليات التقييم فعالة وذات مصداقية أن تضع سلطة الإشراف جملة من الضوابط أوّلها أن لا تقبل لجان التأهيل والانتداب إلا المنشورات الصادرة في دوريات وعن دور نشر معروفة ومحكّمة ولها لجان قراءة متكونة من أسماء معروفة داخل الجماعة العلمية للاختصاص وأن لا يُترك هذا الأمر للتقدير الحرّ لتلك اللجان. ثم ثانيا أن تحصل شهائد التأهيل والدكتورا المتحصل عليها من الجامعات على الاعتماد والمصادقة من اللجنة الوطنية للتقييم والاعتماد حتى يمكن للمعني بالأمر الترشّح للانتداب في الخطط المحدثة. وباعتماد هذا الضرب من المصفاة على الصعيد الوطني يمكن الحفاظ على المستوى العلمي وجعل الجامعات أكثر حرصا على جودة الشهائد التي تمنحها.  في الأخير لا بُدّ من الإشارة إلى نقطة تبدو لنا هامة في مستوى تقييم جودة التدريس والبحث تتمثل في أن الجامعات والمعاهد العليا هي اليوم في وضع تنافسي ولا بُد أن يكون لذلك أثره على مستوى الحصول على التمويل العمومي والمصادقة على الميزانية الخاصة بالجامعات وفي بعض البلدان يتأثر جزء من الأجر الذي يتقاضاه الجامعي بترتيب الجامعة التي ينتمي إليها على الصعيد الوطني وبجودة مخرجاتها. لذلك لا بُدّ أن توجد هياكل مستقلة وذات مصداقية لتقييم الجودة على صعيد التعليم العالي وقياسها.

أستاذ الفلسفة السياسية

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس

 

الجامعة التونسية وتكوين النوابغ

                                                                                أ.د. أحمد بوعزّي(*)

تأسّست الجامعة التونسية 1963 واشتملت على كلية للآداب وكلية للحقوق وأخرى للعلوم وأخرى للطبّ أمّا الهندسة فلم تبدأ دراستها في تونس إلا سنة 1968 عندما بنى الاتحاد السوفييتي المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس وكان أغلب أساتذتها فرنسيين أو من أوروبا الشرقية يستعملون الفرنسية للتدريس. أمّا قبل ذلك فالطلبة التونسيون كانوا يدرسون في فرنسا.

وحسب منظومة انتقاء ضبطتها السلطة كان الناجحون في الباكالوريا الذين يريدون مزاولة دراسة العلوم التقنية يقسّمون إلى أربعة أصناف حسب المعدّل يرسل المرتّبون الأوائل إلى الخارج وأساسا إلى فرنسا للأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية أمّا المرتّبون بعدهم فكانوا يزاولون تعليمهم في المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس. لأن المعتقد آنذاك أن الأساتذة التونسيين قليليّ العدد لم يكونوا قادرين على تأطير النوابغ في تونس.

في الثمانينات وعلى مدى عشر سنوات أرسلت تونس إجماليا 1000 طالب إلى الولايات المتحدة زيادة على الذين يرسلون إلى فرنسا وألمانيا للدراسات الهندسية وتوقّف ذلك سنة 1990 ولم يرجع منهم سوى 450. ورغم أن رجوع المتخرّجين من الجامعات الأجنبية أصبح نادرا مع انهيار صرف الدينار ورغم أنه أصبح لنا في نهاية الثمانينات عدد كاف من الأساتذة لتدريس كل الاختصاصات في الجامعات التونسية فقد حافظ أصحاب القرار على إرسال النوابغ إلى فرنسا بل بعثوا في تونس معهدا تحضيريا تدوم الدراسة فيه سنتين وتَضبط برامجَه الحكومة الفرنسية يحضّر لاجتياز مناظرة الدخول إلى المدارس الهندسية الفرنسية ومن ينجح في المناظرة يتمكّن من الهجرة ويحصل على منحة دراسية معتبرة. وأصبحت هجرة الأدمغة تقع على مرحلتين ، واحدة في سنّ التاسعة عشرة للمرتّبين الأوائل في شهادة الباكالوريا وأخرى في سنّ الواحد والعشرين للمرتّبين بعدهم. وينتفع بهذا الامتياز أبناء الطبقات الثرية القادرين على دفع مقابل الدروس الخصوصية.

في سنة 1990 أبدى البنك الدولي استعداده لتمويل التعليم العالي واقترح على الحكومة التونسية أن تعمّم التعليم الأساسي وتجعله إجباريا وتفتح أبواب التعليم العالي إلى نسبة أكبر من الشريحة العمرية. فانتقل التعليم الجامعي من منظومة انتقائية خاصة بفئة صغيرة إلى منظومة أكثر ديمقراطية تهدف إلى تكوين مختصين في مهن تتناغم وتطوّر التكنولوجيا خاصة وأن المكنكة والأتمتة اجتاحت كل المهن ممّا خلق حاجة أكيدة إلى تكوين كفاءات عالية.وقد فتحت الحكومة فعلا أبواب التعليم العالي إلى نسبة أكبر من الشريحة العمرية (ارتفعت من %6 سنة 86\87 إلى %34 سنة 12\13) دون مراجعة البرامج لتتلاءم مع المهن الجديدة وواصلت إرسال النوابغ إلى فرنسا.

لو كان إرسال النوابغ إلى الخارج داخلا في مخطط إثراء التعليم العالي والاقتصاد والإدارة التونسية بكوادر عليا مكوّنة أحسن تكوين لقلنا أن هجرتهم المؤقتة ضرورية لكن هؤلاء النوابغ لا تؤطّرهم البعثات الجامعية باستثناء مدّهم بالمنحة كل شهر ويصبح الرابط العائلي هو الوحيد الذي يربطهم بتونس.

إن إرسال النوابغ إلى الخارج مضرّ بالتعليم العالي التونسي إذ عندما تأخذ النوابغ من جامعة تونسية وتسجّلهم في جامعة أجنبية فإن المستوى الدراسي سينهار في الجامعات التونسية التي تحرم من خيرة طلبتها ويرتفع في الجامعة الأجنبية التي تستقطبهم. وتدفع الدول الثرية أموالا طائلة لجلب النوابغ لجامعاتها لرفع مستوى التنافس لديهم وتأمل أن يستقر الطالب المهاجر في البلاد التي تأويه ويفيدها بمعرفته وكفاءته بعد تخرّجه. وهذا ما تفعله ألمانيا وفرنسا وخاصة الولايات المتحدة التي يكوّن الأجانب فيها أكثر من نصف الطلبة المسجّلين في المرحلة الثالثة. وفي نفس الوقت نجد بلدانا متخلّفة تدفع المال لحرمان جامعاتها من نوابغ طلبتها وإثراء الجامعات الأجنبية.

استمرار هذا التهجير مضرّ أيضا باقتصاد البلاد لأنه يحرمها من إطارات ذات مستوى ذهني مرموق ومن باحثين قادرين على تقديم دراسات مفيدة لتنمية البلاد وتطوير اقتصادها ومن أساتذة جامعيين قادرين على تكوين إطارات كفأة للبلاد. فما الذي يمنع الحكومة من التصرّف بصورة مختلفة ؟ المسؤولون عن ذلك هم أساسا إطارات وزارة التعليم العالي وبعض أساتذة التعليم العالي المتنفّذين لأنهم يغتنمون هذه المنظومة التي تنظر إلى التعليم العالي التونسي بصورة دونية لإرسال أبنائهم للدراسة في الخارج لتتكفّل الدولة بمصاريفهم الباهظة مهما كانت معدّلاتهم. وبهذا تجدون أن نصف الممنوحين في الخارج لم يمرّوا عبر المنظومة الانتقائية التي تخوّل الحصول على منحة وتجدون أولياءهم من أشرس المعارضين لبناء جامعة تونسية خاصة.

تختلف المنحة التي يحصل عليها الطالب التونسي في الخارج من بلد إلى آخر وأعلاها في أمريكا الشمالية وفرنسا، وحسب ميزانية الدولة لسن  2015 فإن كلفتها (مع كلفة القروض التي لا نعرف كيف يحصل عليها الدارس في الخارج) تبلغ 30 مليون دينار، نضيف إليها كلفة النقل والترسيم وأجور وسكنى البعثات الجامعية الثلاثة في كندا وفرنسا وألمانيا. وهذا يعني أن تكلفة الممنوحين في الخارج لسنة 14/15 بلغت 45 مليون دينار لعدد من الطلبة يبلغ 2850 طالبا.

ولو يرصد هذا المبلغ لجامعة تونسية تدرّس 3000 طالب توفّر لهم أرقى ظروف الدراسة والعيش في مركب جامعي أنيق ومؤثث بأجمل وسائل العمل والترفيه لكفاها وزيادة. ويمكن القول ان دراسة النوابغ في جامعة وطنية خاصة بهم لها مزايا كبيرة على المتخرجين فهي تضمن عدم انقطاعهم عن مخالطة أبناء وطنهم طيلة دراستهم ولا تمنع تفتّحهم على الجامعات والثقافات الأجنبية بل تمكّنهم من السيطرة على اللغات الأجنبية لو تشمل دراساتهم سداسية إجبارية في جامعة أجنبية خلال الإجازة للدراسة في نطاق تبادل الطلبة كما تهيّؤهم للتعامل مع أبناء بلدهم بأريحية لو تشمل دراستهم مادّة دراسة اللغة العربية التقنية. ومعلوم أن الانتماء إلى جامعة وطنية مرموقة يطوّر لديهم الشعور بالانتماء وتقوية الروح الوطنية لديهم ليجتهدوا وينافسوا الجامعات المرتّبة الأولى في العالم ويعوّدهم على العيش في تونس وربّما الزواج أو الخطوبة خلال دراستهم ممّا يصعّب عليهم الاستقرار في الخارج بعد التخرّج. وللانتفاع بقدراتهم كاملة على الدولة انتدابهم قبل تخرّجهم سواء في الإدارة أو في المؤسسات الاقتصادية أو في الجامعات مراكز البحث بمرتّبات تليق بقدراتهم.

الدول التي تملك جامعات مرموقة تعتمد على نفسها قبل اعتمادها على دول أخرى لها مصالحها الذاتية، وتفضّل مصلحة وطنها قبل مصالح أصحاب القرار، وهي تبني جامعاتها لتكوّن فيها النخبة التي ستسيّر الدولة ومؤسساتها العامة والخاصة، وتختارهم من بين الأذكياء والمجتهدين، وتعمل على تكوينهم في ظروف جيّدة، وتنمّي لديهم الحسّ الوطني. القادة في هذه الدول الناجحة يتّصفون بالوطنية ويؤمنون بأن بلادهم دولة مستقلّة ذات سيادة، لها مصالحها وأسرارها ومخططاتها، وهم يعملون على الرفع من مستوى جامعاتهم ويجلبون لها النوابغ من البلدان الأخرى، ويؤطّرون نوابغهم ويحمونهم ويتابعون أعمالهم ويكلّفونهم بمهام في اختصاصهم لتدريبهم من جهة وتقييمهم من جهة أخرى حتى يتوجّهوا إلى خدمة البلاد وتطويرها وتنميتها مستعملين في ذلك كفاءتهم وتكوينهم. وإذا كانت كوريا وماليزيا وأندونيسيا قد استطاعت فعل ذلك فنحن أيضا في تونس قادرون عليه.

  أستاذ تعليم عال بالجامعة التونسية

 

"المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بتونس"

أنشئ "المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بتونس" في جويلية 2014 ويهدف إلى انجاز البحوث والدّراسات السّياسيّة والإنسانية والاجتماعيّة المتعلّقة بالمغرب العربي بشكل عامّ ونشر معرفة علميّة موضوعيّة حوله أساسا في حقل الدّراسات الاجتماعيّة والإنسانية والسّياسيّة والاستفادة من المعارف الإنسانية الحديثة من أجل تجديد المقاربات العلميّة.. وهو في الأصل فرع من المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات الّذي تأسّس سنة 2010 كمؤسّسة بحثيّة عربيّة للعلوم الاجتماعيّة والعلوم الاجتماعيّة التّطبيقيّة تهدف إلى دعم وتعزيز ونشر البحوث الّتي تعنى بمجالات العلاقات الخارجيّة للدّول العربيّة والأمن القومي والقضايا البيئيّة والدّراسات الإعلامية والاقتصاد السّياسي والرّأي العامّ والمتغيّرات الاجتماعيّة من أجل دعم وترشيد الرّأي العامّ وعمليّة صنع القرار في الوطن العربي ببحوث علميّة تتمتّع بالاستقلاليّة والموضوعيّة..

ويحرص "المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات بتونس" على :

ـ مدّ جسور الحوار المعرفي بين الجماعات البحثيّة والنّخب العلميّة بتونس والمغرب العربي وأوروبّا بصفة عامّة والتّشبيك مع المؤسّسات البحثيّة والأكاديميّة بهذه البلدان وغيرها.

ـ المساهمة في دعم البحث العلمي والأكاديمي وإتاحة الفرصة للمؤسّسات البحثيّة العربيّة (التّونسيّة والمغاربيّة بشكل خاصّ) والباحثين العرب على تطوير مشاريعهم البحثيّة والارتقاء بأدوات البحث العلمي إلى مستوى العالميّة وذلك من خلال عدّة مبادرات على غرار المنح البحثيّة وبرنامج الجائزة العربيّة للعلوم الاجتماعيّة وغيرها..

ـ العمل على استقطاب الباحثين المتميّزين (المغاربة وغيرهم) للمشاركة في فعاليّات المركز من خلال المساهمة في مختلف الأنشطة والفعاليّات الّتي ينجزها..

ـ مواكبة التّطوّرات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة المهمّة في المنطقة العربيّة (المغرب العربي) من خلال أوراق تحليليّة أكاديميّة معمّقة تعكس وجهة نظر عربيّة تجاه القضايا الرّاهنة..

ـ يحتوي المركز على جملة من المرافق يضعها على ذمّة مؤسّسات البحث والجمعيّات العلميّة والثّقافيّة والباحثين والمثقّفين والفنّانين..  

 

منظومة التعليم العالي والبحث العلمي..المعايير الأكاديمية الدولية كمدخل للإصلاح

نزار بن صالح*

لا يختلف عاقلان في مساهمة المنظومة العمومية للتعليم العالي والبحث العلمي في تونس منذ تأسيسها بشكل أساسي في تكوين موارد بشرية كفأة، كانت ولا تزال العمود الفقري للمؤسسات الاقتصادية في البلاد التونسية، الخاصة منها والعمومية، وللمؤسسات التعليمية والثقافية وفاعلا جوهريا في العملية التنموية. كما لا يختلف أيضا متابعو شؤون هذه المنظومة أنها دخلت منذ ما يقارب العشريتين بكل مكوناتها في أزمة كبرى تعددت مظاهرها وتراكمت نتائجها السلبية.

ويكمن خلف هذه الأزمة سببان رئيسيان أولهما أنه فرض على هذه المنظومة رفع ما يسمى التحدي الكمي عبر قبول أعداد متزايدة من الطلبة الجدد دون أن تكون الجامعات ومؤسساتها مهيأة لذلك من حيث إطار التدريس ولا من ناحية البنى التحتية أو التجهيزات وكل ذلكفي ظل غياب إستراتيجية واضحة للنهوض بالمستوى العلمي ورؤية لرفع التحدي الكيفي. وثانيهما الابتعاد المتمادي والإرادي عن المقاييس والمعايير والضوابط الدولية في ما يخص التكوين الجامعي والبحث العلمي في مرحلة شهدت تبلورا واضحا لهذه المعايير، فرضته حركية معولمة ومتزايدة سواء للمدرسين الجامعيين أو الباحثين أو الطلبة. هذان السببان مرتبطان من حيث أنهما كانا الاثنان نتيجة خيارات سياسية خاطئة لم تكن في مستوى متطلبات النمو الحتمي للجامعات، وتراوحت بين الفوقية والارتجال والشعبوية والتوظيف السياسي وأحيانا اللامبالاة.

ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة، خارطة جامعية مشوهة ومصطنعة تتعدد فيها الجامعات والمؤسسات الجامعية الفاقدة لأبسط مقومات الحياة والنمو والإشعاع وحوكمة ممركزة بالية تطغى فيها الإداريات على الضرورات الأكاديمية  وتدهور واضح للمستوى العلمي أدى إلى نسب بطالة مرتفعة وتشغيلية متدنية لخريجي الجامعات التونسية مما أفقدها دور المصعد الاجتماعي وأثر سلبا على مكانتها في المجتمع.

الوقوف على هذه الأزمة وعلى مظاهرها المتعددة، دفع العديد من الأطراف المعنية للمطالبة بإصلاحات جذرية ولعل أبرز هذه الأطراف الطرف النقابي الأستاذي ممثلا بالنقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي الذي بادر منذ سنة 2003 إلى طرح العديد من المسائل المغضبة آنذاك وخاصة منها مسألتي الخارطة الجامعية وحوكمة المنظومة، ودفع ثمنا باهظا لذلك. إذ أن تجاوب وزارة الإشراف ومن خلفها السلطة السياسية في البلاد بقي طيلة تلك السنين دون المأمول متأرجحا بين التوجس والانكماش والاستفراد بكل محاولات الإصلاح التي فشلت كلها بطريقة مدوية نتيجة انعدام التشاركية وعدم اقتناع الأساتذة بهذه المحاولات وغياب تملكهم لها في ظل نظام سياسي مترنح بلغ مداه ولم يعد قادرا لا على التجديد ولا على التجدد.

مشروع إصلاح المنظومة

بعيد الثورة وفي 5 أكتوبر 2011، تم الإعلان عن انطلاق التفكير والعمل حول مشروع لإصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي من طرف لجنة وطنية للإصلاح ثلاثية التركيبة يتمثل فيها الطرف الوزاري والنقابي الأستاذي إضافة للطرف الممثل لمجالس الجامعات. ويمكن اعتبار اختيار هذه المقاربة التشاركية خرقا تاريخيا لسياسات الاستفراد الذي مارسه الوزراء المتعاقبون منذ تأسيس الوزارة، واستجابة لمطلب رفعه الطرف النقابي الأستاذي منذ مدة طويلة رغم خيبة أمل العديدين من الغياب شبه الكلي للجان الإصلاح على مستوى المؤسسات الجامعية وعلى مستوى الجامعات مما أثر بصفة واضحة على جودة وجدية محتوى الوثيقتين المنبثقتين عن عمل اللجنة الوطنية.

 فالقارئ المتمعن في الوثيقتين يلاحظ أولا غياب فكرة رئيسية مركزية تكون الرابط بين أجزاء مشروع الإصلاح وتتمحور حولها محاوره، وتمثل روح مضمونه. كما تطغى على أجزاء كبيرة من المشروع الصبغة الإنشائية واللفظية والتعبير عن حسن النوايا دون أي ذكر للآليات الضرورية للوصول للأهداف المرصودة. وتوجد في المشروع مباحث عديدة لا علاقة لها بالتعليم العالي أو البحث العلمي إضافة إلى آجال مقترحة لتنفيذ الأهداف المرسومة، غير واقعية ولا تمت بصلة للآجال الحقيقية.

يمكن تلخيص هذا المشروع في نقطتين لامستا مسألتين أساسيتين بالنسبة لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي وهما: إعادة النظر في الخارطة الجامعية ومراجعتها عبر إعادة هيكلتها (تجميع، تغيير صبغة، إعادة توزيع) وتركيز استقلالية الجامعات كجزء من نظام حوكمة رشيدة وضرورة من ضروراتها. فمعالجة هاتين النقطتين تعتبر فرصة تاريخية من ناحية احترام المعايير الدولية المتعارف عليها في ما يخص الجامعات، وهي العمود الفقري للمنظومة، والانخراط فيها والتي يمكن اختزالها في حدودها الدنيا في ثلاث نقاط: مركب جامعي يؤلف بين مكونات الجامعة الأكاديمية والإدارية والخدماتية ويكون حيزها الترابي الموحد، وبرنامج تكويني موحد ومقرر من هياكل الجامعة يرشّد استغلال الموارد البشرية والمادية للجامعة واستقلالية أكاديمية ضرورية لإنجاح البرنامج التكويني وما تقتضيه هذه الاستقلالية الأكاديمية من استقلالية إدارية ومالية.

كما يمكن أيضا إذا أردنا التوسع في هذه المعايير رصد ما ورد في إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة لسنة 1998 بخصوص التعليم العالي للقرن الواحد والعشرين والذي أكد محتواه المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته نفس المنظمة بباريس سنة 2009. ويمكن تلخيص أهم هذه المعايير في ما يلي:

التزام الجامعة بتطوير جودة التكوين وبتشغيلية خريجيها  عبر انتداب إطار تدريس قار وكفؤ وإطار تقني وإداري في خدمة التكوين والبحث والحياة الجامعية وعبر الحرص على التكامل بين تطوير الكفاءات والمهارات النظرية والتطبيقية والسلوكية وعبر إرساء آليات تدعم تشغيلية الطلبة والإدماج المهني وعبر حياة جامعية تعزز قيم المواطنة والقيم الإنسانية الكونية.

الالتزام بتنمية البحث العلمي وهيكلته وجودته وبتنمية النشر العلمي وفق المعايير الدولية.

توفير مكتبات جامعية مختصة تكون مواكبة للتطورات العلمية والتقنية والبيداغوجية.

الحوكمة الرشيدة وتصرف أمثل في الموارد البشرية والمالية.

ويمكن بعد هذا السرد، الوقوف على الفارق الشاسع بين هذه المعايير وواقع الجامعات التونسية. وما ضاعف أهمية ومركزية هذه المعايير بروز الأدوار الأساسية التي تلعبها الترتيبات العالمية للجامعات في قدرتها على استقطاب الطلبة المتميزين والأساتذة الأكفاء والتمويلات الضرورية للتكوين وللبحث العلمي.

إن مستقبل الجامعات التونسية ومستقبل منظومة التعليم العالي والبحث العلمي بتونس مرتبط أساسا بمدى اقتناع الفاعلين الأساسيين ومن بيدهم سلطة القرار بأهمية وضرورة أن تكون المعايير الأكاديمية الدولية مدخلا لأي إصلاح جاد وجدي وبمدى قدرتهم على إرسائها، وبالقطع نهائيا مع مقاربات محاولات اختصار الطريق والرمرمة والتوفيق التلفيقي، عسى أن تأخذ هذه المنظومة والجامعات المكونة لها طريق التأسيس الثاني الذي يضعها على الخارطة العالمية للتعليم العالي في المواقع التي يستحقها بلد راهن منذ بداياته على الثروة والذكاء البشريين وما زالت جامعاته واقفة وتزخر بطاقات رهيبة رغم غياب الرؤى وشحة الموارد، فالطريق إلى المعايير الأكاديمية ضرورة لإشعاعها وليست ترفا من المكن الاستغناء عنه

 (*) أستاذ تعليم عال

الكاتب العام  للفرع الجامعي للتعليم العالي والبحث العلمي بتونس

 

ماذا جاء في النقاش؟

النقاش حول إصلاح  منظومة التعليم العالي من خلال الأطراف المتدخلة  كان ثريا، عكس في جانب كبير منه  عمق وأهمية المسألة من حيث بعض الإصلاحات التي يراها المختصون في المجال أكثر من ضرورية  للنهوض بمنظومة التعليم العالي.وقد تقدم كل من المتدخلين الأكادميين  برؤيتهم «الإصلاحية» حول كيفية إصلاح وتطوير  منظومة التعليم العالي لينساب النقاش في جزء منه  إلى جدل  يهم أداء النقابة الذي لم يرق إلى بعض الأطراف الجامعية المتدخلة . ولكن إجمالا عكست المداخلات رغبة ملحة من جميع الفاعلين في هذا اللقاء من اجل تقريب وجهات النظر قدر المستطاع للخروج بمقترحات تكون قادرة على تحسين واقع الجامعة التونسية.

في مستهل كلمته ثمن شكري المبخوت رئيس جامعة منوبة جميع المداخلات التي ألقيت مشيرا إلى أن كل ما قيل يمثل جانبا من  إشكالية التعليم العالي .لكن يبقى المدخل الأساسي لأي إصلاح من وجهة نظره يتمثل في أن هنالك اتفاقا ضمنيا يؤشر الى  أن حال جامعتنا لا يسر مشيرا إلى انه  يتعين علينا  أن ننظر إلى مشاكلنا دون أن ننسى أننا أبناء هذه المنظومة.  كما انه ينبغي أن لا  نقع في المفارقة التي  تجعلنا نعتقد  بان المنظومة التي أنجبتنا كانت جيدة  ونحن نعرف الآن أنها رديئة ورديئة جدا. على حد قوله.

كما تطرق مبخوت إلى الحديث الذي ساقه الجامعيّان نزار بن صالح ومحمد دمق حول مفهوم المعايير الدولية معرجا في السياق ذاته على ما صرح به احد المتدخلين والقاضي بان  الجامعة التونسية صنعت من  دون مشروع متسائلا: ما العيب في ذلك؟ معتبرا أن الجامعة التونسية هي وليدة فكرة عبقرية لدى اليونسكو كما أنها أنتجت هذه النخب الحديثة: نخب دولة الاستقلال. وعلينا أن نعترف بهذا موضحا ان الخير لم ينقطع في المنظومة الجامعية في جميع  مراحلها  بما في ذلك في منظومة أمد التي تم نقدها.

واعتبر المبخوت أن الجامعة التونسية تعيش اليوم مشكلة الحوكمة والتي هي ليست قضية شكلية إدارية  مشيرا إلى أن في العالم هنالك نمطين من المؤسسات: مؤسسات عمومية مثل حال الجامعات التونسية وجامعات شركات. قائلا :»إذا اخترنا  جامعة عمومية فإننا  سنعيد  إنتاج الرداءة والذهاب في غياهب هذه الإشكالات. لا بد من إدخال مفاهيم من الشركات  أي من القطاع الخاص مثل النجاعة والشفافية والمحاسبة والحوكمة  في معانيها الحديثة وهذا لا يتوفر للأسف إلا في تصورات بديلة تخرجنا من مركزية الوزارة» موضحا أن تغيير نمط الحوكمة يتطلب إيجاد عقود إطارية وأهداف  بين الجامعات والدولة ثم بين الجامعات ووحدات التكوين فضلا عن إدخال مفاهيم جديدة على غرار الاقتصاد الحر والتصرف المالي في علاقة المؤسسة بالمجتمع.

من جهة أخرى اعتبر الجامعي مصطفى نصر الله خلال مداخلته أن الجامعة التونسية  مظلومة وهي تؤاخذ على أشياء وكأنها جزيرة منعزلة عن المجتمع. وتعقيبا على ما قاله  الأستاذ نزار بن صالح فيما يهم  مسالة تشغيلية أصحاب الشهادات ومسالة الإجازات  ذات البناء المشترك  فقد اعتبر المتحدث أن هذه المسالة صحيحة لأننا  أصبحنا ننظر فقط في مسالة  تفتح المحيط على الجامعة وليس تفتح الجامعة على المحيط.

اما .المسالة الثانية التي تؤاخذ عليها الجامعة من وجهة نظر نصر الله  فتتعلق بالمستوى العلمي والمعرفي والثقافي للجيل الطلابي المتخرج. إنه محدود المكتسبات والمهارات. إنه فقط يجيد القراءة والكتابة ولعل حتى هنا هناك جدل ونظر.

 فيما يتعلق بتشغيلية حاملي الشهادات فان هذه التشغيلية لا تتحكم فيها الجامعة فقط وإنما الوضع الاقتصادي مبينا انه إذا كان الاقتصاد يساوي  صفر نمو فانه حتى وان تمكنا من تكوين أفضل مهندس فإننا لن نجد له مكانا. إنّ التشغيلية رهينة تمش سياسي عام وقرارات إستراتيجية وخيارات بنيوية. وعقب حول إنفتاح الجامعة مؤكدا أن يكون هذا ضمن تبلور إستراتيجي عام متناغم ومتكامل. وتدخل الأستاذ نزار وأكد على أن المؤسسة الاقتصادية نفسها ليس لديها نظرة التاطير  والتطوير وانما لديها  مؤسسة  بنيتها عائلية تشغل بأقل أجر  وحتى تكون شريكا فعليا للجامعة عليها أن تكون هي نفسها  مؤهلة ولا تقف عند المقاربة الربحية

ومن منطلق أكاديمي شدد المتحدث  على  أن الجامعة ليست مركز تكوين مهني وهذا ما ينبغي أن نزيله  من أذهاننا  على اعتبار أن الجامعة تخلق قدرات  وكفاءات ولهذا هي ليست مطالبة بتكوين دقيق  فهي على الأقل  مطالبة بخلق الذهنية والعقلية التي تستطيع أن تجدد وتبتكر وتستنبط وهنا  تساءل الأستاذ مصطفى كم من  مؤسسة اقتصادية لديها وحدة خاصة بالبحث والتجديد أو وحدة خاصة بالجودة.

من جانب آخر اعتبر المتدخل عبد الحق زموري  خلال مداخلته انه حين نرى وضعية الإنتاج العلمي في الجامعة التونسية بين مخابر ووحدات  البحث وبين  أساتذة صنفين «أ «و «ب» وبين الطلبة الباحثين الذين يقدر عددهم إجمالا بحوالي بضع ألاف باحث موجودين الآن .ويفترض أنهم ينتجون المعرفة أو ينتجون  الابتكار أو الأفكار في أي مجال كان وبالتالي يسهمون من خلالها في تقدم الاقتصاد والأخلاق والتربية والفلاحة. وتساءل عن الهياكل والقوانين والوضعية البنيوية التي من شأنها دفع البحث العلمي ونشر الإنتاج.

فحين نرى هذا العدد ونرى عملية الاستشهاد أو  المقالات العلمية المنتجة أو مساهمة هؤلاء في الإنتاج العربي أو في الإنتاج الدولي  نجد أرقاما ضعيفة جدا بل مخجلة جدا لأننا ندعي منذ خمسين سنة بأننا أبطالا في إفريقيا في هذا المجال سواء في مسالة التعليم أو في مسالة التعليم العالي ثم نجد أنفسنا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين في مراتب  متخلفة جدا. كما أشار  زموري إلى أن 63 بالمائة من عدد الطلبة  إناث اما عدد الأشخاص الذين يصلون إلى مستوى الماجستير والدكتوراه  فنجد تقريبا حوالي 800 دكتوراه  في كل الفروع العلمية سنويا  موضحا انه حين   نتمعن في عدد النساء اللواتي يصلن إلى هذا المستوى نرى أن العدد  بصدد التناقص قائلا :» حين يصل الأمر إلى   تثمين البحث العلمي لدى الإناث يصبح التفاوت ضخما جدا» .

وتعقيبا على مداخلة عبد الحق زموري اعتبر الأستاذ الجامعي الطاهر يحيى أن الإحصائيات تكشف كل شيء إلا المهم  والمتعلق بالمشروع والرؤية والمقاربة موضحا ان الجامعة التونسية مشكلتها الأساسية تتعلق بالموارد والبنية التحتية المتخلفة  أو التي هي غير  قادرة  على منافسة ما هو موجود في ارقي الجامعات . ولكن استدرك يحيى ليوضح بانه لدينا جامعات أفرزت منذ عشرات السنين كفاءات عالمية في مجال الطب وفي ميدان العلوم الإنسانية وفي ميادين أخرى لكننا اليوم في فترة تراجع نتيجة أسباب مالية وإدارية وسياسية.

اما فيما يتعلق بمنظومة «إمد» فقد اعتبر المتدخل ان الطريقة التي فرضت بها لم تستفد من انخراط كلي للأساتذة واتسمت بالفوقية دون مراعاة خصوصيات الجامعة واستندت إلي نفوذ السلطة أكثر من مقاربة تشاركية.

وفسر يحيى ان الأشياء  كانت غير واضحة تماما  في هذه المنظومة وبقينا تقريبا سنتين نحاول فهم نظام «إمد»  في حد ذاته  معتبرا ان ظروف فرض هذه المنظومة نعيش إلى الآن مخلفاتها .وإلى الآن هنالك مشاكل كبيرة خاصة في فروض المراقبة المستمرة  التي تأخذ من وقت الطالب والأستاذ اشهر في السنة ونظام الامتحان ومحتوى المواد والزمن المدرسي.

واعتبر الطاهر يحيى  بان الإشكالية تكمن في أننا نتحدث عن الجامعة ونحتسب عدد أسابيع الطالب على ورقة بيضاء وننسى أن طلبتنا    يباشرون الدراسة  منتصف شهر أكتوبر والنتيجة ان السداسى المتكون من  14أسبوعا يختزل في 7 أسابيع ومع ذلك فهذا يعد أمرا خارقا للعادة  قائلا:" عمليا إننا  نمنح  شهائد نصفتكوين وهذه حقيقة ولذا ونظرا لضعف أجهزة الدولة وعدم قدرتها على تطبيق القانون ومنع الإضرابات» الوحشية» كالتي اجتاحتنا هذه السنة.

وحسب رأيه كما بعض اللجان القطاعية علينا أن نحد من عدد فروض المراقبة المستمرة علما أن اغلب الأساتذة لدى قيامهم بهذه الفروض لا يرجعونها للطلبة ولا يستفيد منها هؤلاء إلا بعد فوات الآجال. لا بد أن نفرض طريقة جديدة في التدريس هذا واقع الجامعة نظريا  .»

من جانب آخر تعرض يحيى خلال مداخلته إلى ما اعتبره تغليب المقاييس النقابية في انتخاب بعض المسؤولين  موضحا ان  التجارب بينت  أنها لا تنجح دائما قائلا :»هنالك أشياء غير معقولة تحدث في البلاد خاصة في  مستوى العمل النقابي الطلابي. هنالك انحراف خطير في العمل النقابي لا بد أن نتصدى له و إلا ذهبنا إلى الخراب.».

وتجدر الإشارة الى أن اللقاء شهد حضور الأستاذ محمود جاب الله الذي أكد خلال مداخلته انه يشارك في هذا اللقاء  بوصفه رئيسا مديرا عاما لشركة  في مجمع ا س اف ب ت  حيث أوضح  أن الحديث عن إصلاح منظومة  التربية والتعليم  يقتضي الحديث عن إصلاح يبنى على تقييم علمي معتبرا انه لم ير تقييما علميا أو جديا لمنظومة التربية والتعليم مشيرا إلى انه لا يمكن إلقاء اللوم على الجامعة لأنها تعتبر الحلقة  الأخيرة في منظومة التكوين اذ  يسبقها تكوين ابتدائي وأساسي وثانوي.

وأضاف السيد جاب الله انه  حين نتحدث عن انفتاح الجامعة على المؤسسة  فان ذلك يمثل شعارا مغلوطا على اعتبار انه لدينا تربصات مختلفة  للدخول في الحياة المهنية.  ان هذا اعتراف وتوقيع رسمي على أن هنالك فجوة كبيرة بين الجامعة وبين السوق المهنية وبالتالي لا بد من مراجعة هذه المسالة من جذورها. وتوجه جاب الله بالقول إلى الأساتذة المتدخلين بالنظر إلى أن المداخلات قد شهدت بعض «مناوشات» فيما يتعلق بأداء النقابة  بأنه يثمن العمل الجامعي والنقابي ولكنه لم يحبذ أن ينحى النقاش نحو هذا المنحى لان الجميع بصدد التنافس على شيء رديء على حد تعبيره رغم احترامه وتقديره للجامعة. قائلا : «فلنصارح أنفسنا بأن نتاجنا رديء جدا في ظل وجود بعض الطلبة الذين لا يحسنون حتى كتابة مطلب

وتفاعلا مع  جميع المداخلات أورد الأستاذ منير الكشو انه لحل معضلة الحوكمة ولوضع نظام تقييم يكون تربويا هنالك ثلاثة مبادئ أساسية: المبدأ الأول يقوم على الجودة وعلى الحوكمة  التي  لا بد أن تؤدي نحو التميز في حين يقوم المبدأ الثاني على ضرورة وجود التنافس بين الجامعات  وهو ما ترفضه وتعارضه النقابة على حد تعبيره  موضحا أن التنافس لن يكون إلا عبر وجود وكالة وطنية لتقييم الجودة وتكون مستقلة عن الوزارة. أما المبدأ الأخير فيتعلق بمدونة حسن السلوك  للنظر في بعض الممارسات مؤكدا على ضرورة وجود ضوابط أخلاقية للفعل التدريسي الجامعي.

في حين  عقب الجامعي نزار بن صالح على مداخلة  شكري مبخوت وقال انه يوافقه في جزء كبير من الطرح غير انه لم يفهم جيدا ما المقصود بمؤسسات جامعية عمومية شركات مشددا في السياق ذاته على انه لدينا تعليم عال ولكن ليس لدينا جامعة بمفهوم الهيكل الأكاديمي. ليخلص الجامعي بن صالح  إلى انه ليس صحيحا أن النقابة عارضت الاستقلالية الأكاديمية للجامعات بل بالعكس فهي التي رفعت هذا الشعار  والى اليوم تدعو إلى تفعيله على حد تعبيره.

 منال حرزي

 

 

 

 

 

 

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد