رأي.. الصكوك الإسلامية: بعد الدين في السياسة، الدين في الاقتصاد - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 18 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
19
2018

رأي.. الصكوك الإسلامية: بعد الدين في السياسة، الدين في الاقتصاد

الاثنين 23 نوفمبر 2015
نسخة للطباعة
رأي.. الصكوك الإسلامية: بعد الدين في السياسة، الدين في الاقتصاد

بقلم: رضا بن سلامة *

اعتقد التونسيون أنّ الطبيعة المدنية للدولة ودور الدين في الحياة العامة قد حُسما في تونس عبر دستور "توافقي". لكن يبدو من خلال العديد من التوجهات والمواقف أن عدم ذكر الشريعة، التي تنطوي على مفاهيم وقراءات متعددة ومتناقضة، لم تكن سوى خطوة تكتيكية في ضوء توازن القوى آنذاك بين مختلف المكونات السياسية. وكما قال أحدهم "الذي يضع القانون ليس الدستور، فالقانون يفسّره القوي"!الأمر الذي يفسح مجالاً شاسعاً للمناورات والألاعيب. ومن بينها على سبيل الذكر لا الحصر مسألة الصكوك الإسلامية، وكأن بالشريعة التي أُخرجت من الباب تسللت من الشباك الذي أُبقي عليه مفتوحا عمدا.

فلا ننسى أن المجلس الوطني التأسيسي صادق على مشروع قانون يسمح بالعمل بالصكوك الإسلامية في تونس وذلك في 17 جويلية 2013. لغم من بين الألغام التي تم زرعها قبل انتهاء فترة الترويكاففي إطار ميزانية عام 2013، أدرجت وزارة المالية إصدار صكوك بمبلغ 1000 مليون دينار، من دون وضع إطار تنظيمي يحدد جوانبها المختلفة، مما أدى إلى فشل تلك العملية المرتجلة. وإذ بوزير المالية الحالي يعيد إقحام الصكوك الإسلامية في مشروع ميزانية الدولة لسنة 2016
مؤكدا إثر الاستماع إليه في لجنة التشريع العام بمجلس الشعب، أن "الدولة في حاجة إلى تمويل بقيمة 6.6 مليار دينار لميزانية السنة القادمة، من بينها 2 مليار دينار ستكون متأتية من التمويل الداخلي كما جرت بها العادة وأن القيمة المتبقية أي 4.4 مليار دينار سيتم الحصول عليها باللجوء إلى الصكوك الإسلامية، وتحويلها في شكل سندات وبيعها، مع إمكانية استرجاعها بعد فترة معينة بالتنصيص على ذلك في العقد."

وأمام هذا التصميم السافر تتوالى الأسئلة حول بواطن الالتجاء إلى الشريعة من ناحية وجدوى هذه الآلية نفسها بالنسبة للاقتصاد التونسي من ناحية أخرى. فالجدل حول الخلط بين الديني والدنيوي الذي تصورنا أننا تجاوزناه يعود للواجهة من جديد عبر هذه الآلية. المعلوم أنّ أهمّ مميّزات أي آلية اقتصاديّة هي المرونة والقدرة على التكيّف مع الظروف الطارئة. فكيف يمكن هنا أن يتم التعامل مع تقلبّات المناخ الاقتصاديّ الدولي بآليّة "مقدّسة" تخضع بالنظر لهيئات شرعية وفتاوى دينيّة ومنظور أوحد للمسائل الدنيويّة ؟ حسب ما جاء في القانون عدد 30 المؤرخ في 30 جويليّة 2013 المتعلّق بالصكوك الإسلامية: ” يتم تعيين هيئة رقابة شرعية من قبل جهة الإصدار تتولى البت في كافة الجوانب الشرعية لعملية إصدار الصكوك والفتوى والتدقيق الشرعي (الباب الخامس، الفصل 27)، ثم “تتولّى الوزارة المكلفة بالمالية تكوين هيئة رقابة شرعية للنظر في الجوانب الشرعية والفتوى والتدقيق الشرعي لعمليات إصدار صكوك لفائدة الدولة أو بضمان منها أو لفائدة الجماعات المحلية (الفصل 28).

من حقّ أي تونسي أن يتساءل عن صلة لفيف الفقهاء في الدين الذين سيشرفون على عمليات الإصدار بعلم الاقتصاد؟ وكيف يُعقل أن يتم الخلط بين علم الاقتصاد والفقه الدينيّ ؟ هل أن "بريق" المصطلح الديني الذي يُسدل على هذه الآلية، هدفه إخفاء عيوبها وحجب ما يضمره معتنقوها؟ هل يوجد ارتباط بين إرادة إقحام الصكوك الإسلامية وبين الأجندات السياسيّة والتوجهات الفكريّة لبعض الاسلامويين المحليين وحلفائهم في أنظمة منطقة جغرافية معينة؟ وكيف يمكن أن نفسّر إصرارهم على اعتماد هذه الآليّة دون أخد ارتباطها مع تلك الأنظمة ومؤسّساتها الماليّة بعين الاعتبار؟ وهل تكون الصكوك مدخلا لفرض انتشار المالية الإسلامية في الاقتصاد التونسي، تمهيدا للنظام السياسي والمجتمعي والفكريّ الذي يحاول بعض الأقوام ذوي المرجعية الدينيّة تسويقه ثم الإجهاز به؟ والأخطر هو إمكانية ارتهان الاقتصاد الوطني للإملاءات الخارجيّة وسيطرة الاستثمارات الأجنبيّة على المشاريع الكبرى والحساسة خصوصا أنّ الصكوك تتمتع بحريّة التداول والبيع.

مع الملاحظة أن مسألة الصكوك الإسلامية تثير جدلا كبيرا لدى الخبراء حول جدوى اعتمادها وتأثيرها على الاقتصاد التونسيّ، خاصة في الظروف الراهنةالتي تشهد تردّيا للوضعيّة الاقتصاديّة وانحدارالمؤشراتهاواستمرارالتذبذب سعر صرف الدينار التونسيّ. فالدخول في مثل هذه المغامرة يتطلّب نسيجا اقتصاديا متماسكا، وأرضية داعمة من البنوك ومناخاماليانشطا، واستثمارا متناميا.وهو ما توفر في بعض الدول الأوروبية التي استغلت آلية الصكوك الإسلامية بحجم نسبي مسيطر عليه من قبل السلطة الوطنية.

إن المساراتالمستقبليّة للبلاد لا تزال غامضةونقاط الاستفهام حول المساعي المتواصلة لفرض خلط الدين بالسياسةوبالاقتصاد تتلاحق، بحيث لا ينبغي الارتجال ولا المغامرة خاصة وأن المخاوف واردة حول إمكانية تعرض أصول الدولة التونسية للتفريط فيها لحساب جهات أجنبية لا تضمر الخير لتونس.

                                                         *كاتب وخبير دولي في الاقتصاد

إضافة تعليق جديد