رسالة نيودلهي: الهند الصاعدة.. سياسة جذب رجال المال والأعمال (1 – 3)..أسطورة بلد غني بفقرائه... - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 24 فيفري 2021

تابعونا على

Feb.
25
2021

رسالة نيودلهي: الهند الصاعدة.. سياسة جذب رجال المال والأعمال (1 – 3)..أسطورة بلد غني بفقرائه...

الأربعاء 21 أكتوبر 2015
نسخة للطباعة
رسالة نيودلهي: الهند الصاعدة.. سياسة جذب رجال المال والأعمال (1 – 3)..أسطورة بلد غني بفقرائه...

نيودلهي – الصباح - آسيا العتروس-

العملاق الهندي قادم وعيون صناع القرار في نيودلهي على القارة السمراء وأستراليا وغيرها لكسب رهان المستقبل. طموحات هذا البلد لا سقف لها، والبلد الذي عرف بأنه أكبر ديموقراطية في العالم يشهد صحوة اقتصادية صناعية وعلمية متأنية ولكنها متصاعدة، وقد بدأت الهند تتجاوز حدود التعامل مع الجوار الاسيوي واكتساح أسواق العالم، متطلعة الى أن تكون مركزا صناعيا عالميا وقطبا للبحث والتطوير. وقد بدأت بفتح أبواب جامعاتها لاستقطاب الطلبة الأفارقة في مختلف المجالات التكنولوجية، والأرجح أنه لن يكون من الصعب على مختلف الصناعات القادمة من مختلف ولايات الهند أن تجد لها الانتشار والترويج في افريقيا وأمريكا الشمالية واللاتينية وأوروبا لسبب أساسي وهو أن للهند مع الجودة والاتقان التزام متين لا يقبل الانفصال وهو التزام متوج بإصرار غريب على الوصول الى كل نقطة في العالم بالاعتماد على ثلاثة شروط، وهي الموهبة والمهارة والانضباط، لكسب ورقة العبور الى صفوف الدول الصناعية الكبرى وتحقيق التنمية في ثاني أكبر بلدان العالم كثافة سكنية بعد الصين والتي تقدر بمليار وأربعمائة مليون نسمة.

شهر أكتوبر يمثل موعدا خاصا في بلد المهاتما غاندي حيث يتعايش، رغم الفقر الذي يتجاوز نسبة 38 بالمائة، الهندوس والمسلمون والسيخ والفرس وغيرهم من الأقليات المختلفة الديانات والعقائد والايديولوجيات، ولكن يوحد بينها الانتماء للهند الوطن، وهو موعد يتمثل في حدثين أساسيين تحتضنهما العاصمة المالية والسياسية نيودلهي:

أما الأول فهو اقتصادي مالي ثقافي اعلامي ويتمثل في تنظيم أكبر معرض للصناعات التقليدية خلال الاسبوع الماضي في دورته السنوية لموسم الخريف بمشاركة الاف العارضين الهنود وهو حدث تستعدله الهند وتستقبل معه المئات من رجال المال والاعمال الأجانب وتدعو له الصحفيين من مختلف القارات..

وأما الحدث الثاني، وهو سياسي بامتياز، فيتعلق بالمنتدى الهندي الافريقي الذي تحتضنه الهند للمرة الثالثة بمشاركة القادة الأفارقة...

طبعا الامر لا يتوقف مع الحدث الأول عند حدود الشعار الذي رفعته الحكومة الهندية منذ سبتمبر الماضي «اصنع في الهند« making in india» للوصول الى حلم الهند الرقمية وحكومة تعتمد ولأول مرة صفر من الأوراق والوصول الى اقتصاد المعرفة، ولكن وهذا الأهم - أن للهند سياسة مختلفة في استقطاب رجال الاعمال والمستثمرين الأجانب، وربما تكون بادرة تطلقها الهند اليوم اذ وبدل أن تذهب للبحث عن المهتمين بالأسواق الهندية حيثما يكونون، فإنها اختارت الاستثمار الايجابي والاستقطاب على الطريقة الهندية حيث أقدمت على تجاوز التابوهات في المعاملات واعتمدت ثقافة جريئة في التعامل مع رجال المال والاعمال والمستثمرين الأجانب بدعوتهم الى الهند للمشاركة في المعارض والوقوف على الفرص الحقيقية المتاحة في مختلف المجالات الصناعية واستكشاف تراث وكنوز كل إقليم من الأقاليم الهندية وما يمكن أن تقدمه للمستثمر من مبادرات جديدة، وهي بذلك تراهن على الكسب والحسابات الرابحة لكل خطوة تخطوها في هذا المجال لتفتح بالتالي أمام المستثمرين الأجانب كل الأبواب لتعزيز وتطوير وتنمية الاقتصاد والمبادلات التجارية، والرهان على تقديم أفضل ما لديها أمام هؤلاء واغرائهم بمنافع الاستثمار في الهند الصاعدة والرهان على آسيا المستقبل عبر بعث لجنة تطوير الصناعات التقليدية في الهندExport Promotion Council Of Handicradt...

حدث سجلت في أعقابه الهند وبعد نشاطات استمرت أربعة أيام سجلا من المعاملات والصفقات مع ستة الاف من رجال الاعمال باعتماد الاقتصاد الرقمي. ويكفي الإشارة الى أن قطاع النسيج وحده يشغل سبعة ملايين من اليد العاملة وفق الأرقام الرسمية، دون اعتبار النشاطات اليدوية العائلية التي تعد العمود الفقري للتنمية الصناعية في الهند وهي من القطاعات التي جعلت لها الحكومة الهندية وزارة خاصة هي وزارة النسيج التي تعنى بهذا القطاع...

«اصنع في الهند» يعني أيضا خفض الحواجز والعوائق أمام رجال المال والاستثمار الأجنبي والجمع بين الجودة والابتكار واحترام المواصفات العالمية بهدف الانتقال من أكبر اقتصاد في آسيا الى قوة صناعية وتحقيق مائة مليون فرصة عمل جديدة في مختلف الأقاليم الهندية بحلول 2022.. تحد خطير وغير محسوم ولكنه ليس بالمستحيل في بلد تحول في هدوء الى قوة نووية يحسب لها العالم ألف حساب...

بلد العجائب...

الحديث عن الفرص الاقتصادية والافاق الواسعة بين شبه القارة الهندية وبين القارة السمراء قد يكون له أول ولكن ليس له آخر عندما يتعلقالامر ببلد متفتح على كل شعوب العالم حيث تتعدد امكانياته وثرواته الطبيعية والبشرية ويتميز سكانه بقدرة عجيبة على تحمل وتجاوز الصعاب وينفرد كغيره من الشعوب الاسيوية الحية بإرادة جامحة من أجل التطور والقضاء على مختلف مظاهر الفقر والأمية والتخلف...

وبعيدا عن الجانب التنظيمي الرسمي يبقى الهند بلد العجائب والاساطير الحية التي يكاد ينطق بها كل معلم من معالمه الاثرية الممتدة فيه لتنقل للعالم أخبار مختلف الحضارات التاريخية الهندوسية والمغولية والإسلامية والفارسية التي مرت به وأكسبته ثقافة تجمع بين الثراء والتنوع واحترام الاخر.

قد يكون ذلك الانطباع المشترك لزائر الهند موطن غاندي ونهرو، وهو انطباع لا يختلف عما تضمنته أغلب القصص والمدونات عن بلد السند والهند بلد التوابل التي دفعت التجار عبر العصور الى المغامرة برا وبحرا بحثا عن تلك البهارات الفواحة التي تمنح الأطعمة نكهةشرقية مميزة، ولكن أيضا بحثا عن الحجارة الكريمة التي اشتهرت بها عديد أقاليم ورغبة في الحصول على المفارش والحرير والانسجة.

 الهند - وهذا الأهم - العملاق العسكري وعضو النادي النووي بلد كل المتناقضات الصارخة بين مظاهر البهرج والثراء الفاحش لأقلية متمكنة وبين السواد الاعظم للطبقات المعدمة التي تختلف في درجات الفقر والمعاناة التي تنتشر في الشوارع على قارعة الطريق وعلى الأرصفة وفي المحطات...

الهند ليست أمريكا ولا اليابان أو الصين أو بريطانيا، المستعمرة السابقة التي نجحت الى حد في فرض الكثير من بصماتها، في اللغة الرسمية المعتمدة في مؤسسات الدولة وفي الحياة اليومية وفي طريقة السياقة والمناهج التربوية، وهي البلد الذي لم يمنعه الفقر والبؤس من تقديم أجمل اللوحات والرسوم والابتكارات الفنية التي تغطي كل شبر فيه لتخفي ربما الكثير من الفقر المدقع فيه. ولعل أهم الاشارات القادمة من الهند اليوم أنه برغم كل المصاعب الاجتماعية والاقتصادية وبرغم البؤس المستشري فإن في هذا الجزء من العالم بموقعه الاستراتيجي ما يدعو للتفاؤل والاقبال على الحياة والاقتناع بأن المستقبل للقارة الاسيوية...

الهند وتحديدا العاصمة السياسية والمالية نيودلهي جعلت من شهر أكتوبر حدثا مميزا يجمع بين موسمين: أما الأول فهو اقتصادي تجاري، وأما الثاني فهو سياسي.

الحكومة الهندية وبدل أن تتنقل لتجوب العالم تسعى لجذب العالم اليها وبذلك تحقق هدفين معا.

خلال الأسبوع الماضي احتضنت الهند أكبر معرض للصناعات التقليدية من نوعه في العالم واستقبلت نحو ثلاثة الاف عارض من مختلف أقاليم الهند بمختلف ثرواتها وخصوصياتها الفنية. وفتحت نيودلهي بذلك أبوابها لاستقبال نحو ستة الاف من رجال المال والاعلام من مختلف دول العالم للاطلاع مباشرة على ما تعرضه السوق الهندية من بضاعة متنوعة في قطاع النسيج أو الصناعات التقليدية أو الخشب والأثاث أو المجوهرات وغيرها من الصناعات التي تشغل حسب الأرقام الرسمية سبعة ملايين من اليد العاملة وتوفر بالتالي لقمة العيش للملايين الاخرين في بلد تبقى الصناعة التقليدية فيه من النشاطات المتوارثة جيلا بعد جيل وهي النشاطات الحيوية التي باتت تفتح الأبواب أمام الهند لاكتساح الأسواق الأجنبية ومنافسة العملاق الصيني في مختلف مواقعه ...الهند حكاية بلد فقير ولكنه غني بفقرائه وهم الذين يصنعون أسطورة الهند بمهاراتهم ومواهبهم...

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد