ميزانية الدولة 2016: مؤشرات اقتصادية قاتمة ومخاطرة غير محسوبة (1/2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 12 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
12
2018

ميزانية الدولة 2016: مؤشرات اقتصادية قاتمة ومخاطرة غير محسوبة (1/2)

الأربعاء 21 أكتوبر 2015
نسخة للطباعة
ميزانية الدولة 2016: مؤشرات اقتصادية قاتمة ومخاطرة غير محسوبة (1/2)

 بقلم محمد عمار(*) - 

مما لا شك فيه أن الاقتصاد التونسي يعيش أحلك مراحله التاريخية ليس فقط على المستوى الداخلي أين تنعدم ثقافة العمل والاتكال على الغير وتفشي السرقات والتهريب والرشاوى وعدم احترام القانون، وانما أيضا خارجيا أين يعيش العالم صراعات اقتصادية كبرى تتحكم فيها الصين وأميركا والقارة الاوروبية حيث ان أي تأثيرات سلبية لهذه المكونات الثلاثة تعود بالوبال على الاقتصاديات الريعية ومنها تونس.. ولعل ما تعيشه تونس من صراعات سياسوية ضيقة ومشاكل اجتماعية واضحة للعيان ستزيد من تهميش الفقراء وانحدار الطبقة المتوسطة الى الاسفل وهو ما يهدد السلم الاجتماعية في المستقبل القريب..

وفي خضم ذلك تصدر السلط التنفيذية قانون المالية لعام 2016، ومن بين مفاهيم هذا القانون هو تلك الوثيقة المحضرة من قبل السلطة التنفيذية والمصادق عليها من قبل البرلمان والتي تحدد خلال سنة مالية طبيعية كمية المبالغ التي تخص موارد الدولة وأعبائها المنتظر تنفيذها وذلك في إطار احترام التوازنات العامة، وقانون المالية هو المعبر عن النظام المالي المتبع في دولة ما، وهذا الأخير ما هو إلا مجموعة العناصر والعلاقات التي تعبر عن النظام الإقتصادي والاجتماعي السائدين في تونس، الذي الى حد الان لم يخرج عن السائد في النظام القديم، بل ازداد سوءا نتيجة الترقيعات المتتالية والتيزادت من ديون البلاد دون الولوج الى التنمية..

عند الحديث عن توازن ميزانية الدولة لسنة 2016 والمنشورة على موقع وزارة المالية، نتبين ان حجم الاقتصاد التونسي يبلغ حاليا 94.2 مليار دينار، ورغم ذلك فان اكثر من ربع الاقتصاد التونسي هو اقتصاد مواز لا تتحكم فيه السلطات منه ما هو بيد المهربين ومنه ما يتعلق بممارسة أنشطة خفية دون الافصاح عنها أو عن حقيقتها، وهو ما يدل على ان حجم الاقتصاد الوطني يمكنه ان يزيد عن 120 مليار دينار لو تحكمت الدولة ومؤسساتها في أغلب مفاصله (تجاوزات كبرى في الديوانة والتهريب والجباية والانشطة الخفية..)

كليا، عادة ما تعتمد الدول الغنية بالبترول في موازناتها على أسعار متحفظة للنفط لتستغل في ذلك فوائض مالية هامة تذهب الى صناديقها السيادية، ولم نر دولة مستهلكة تخاطر بسعر تحفظي في حدود 55 دولارا للبرميل كما هو المثال في تونس، فالمغرب على سبيل المثال اعتمدت موازنتها على سعر 61 دولارا للبرميل واقتصادها شبيه بالاقتصاد التونسي،وقد حذرت وزارة المالية من أن كل دولار زيادة عن السعر الذي وضعته لموازنتها قد يكلف الدولة 90 مليون دينار أعباء اضافية .. مخاطرة السلط المالية في تونس لم تأخذ بعين الاعتبار تخفيض الولايات المتحدة الاميركية لانتجاها من الغاز الصخري خلال شهر اكتوبر الحالي. كما انها ستواصل التخفيض بداية العام القادم، مؤكدة أن صناعة النفط الصخري تحتاج سعرا للخام قدره 80 دولارا على الأقل للبرميل لاستئناف نمو الانتاج. لكن لنكن موضوعيين فهناك في الشق المقابل من يرى ان أسعار النفط ستنخفض أكثر متعللين بتخمة المعروض وتباطؤ الاقتصاد الصيني (وهذا ما نتمناه) ويبقى هذا الاحتمال ضعيفا نظرا للاوضاع المتردية بالشرق الاوسط المصدر الاول للذهب الاسود سواء بدول الاوبك (الخليج وايران) أو خارج الاوبك بروسيا. لذلك فان السؤال المطروح ماذا لو صعدت اسعار البترول الى ما بين 65 و 70 دولارا كمتوسط لكامل عام 2016، وهو متوقع بقوة؟ فان ذلك سيكلف مخاطرة السلط المالية التونسية ما يقارب مليار دينار وهو مبلغ ضخم جدا (وهذا ما لا نتمناه(..

يجرنا الحديث عن الاقتصاد الكلي، الى أسعار سلة العملات، والواضح في وثيقة قانون المالية أنه رغم تذبذب سعر الدينار مقابل الدولار واليورو والين الا ان السلط المالية اعتمدت أسعارا تقديرية ثابتة وهي تعرف أن جل المبادلات التجارية لتونس باليورو في الصادرات نحو السوق التقليدية وبسلة العملات وخاصة الدولار عند الواردات لان السوق العالمية لجل السلع مقومة بالدولار في البورصات العالمية..

لعمري أن الجدل القائم عالميا هو رفع الفائدة الاميركية التي أرجاها الفيدرالي الاميركي لمرات متكررة حتى اضحت مؤكدة في العام القادم دون تحديد موعد الى الان،طبعا بلاد العم سام تبحث عن مصالحها بكل براغماتية من خلال بيع السندات الحكومية وجذب الاستثمارات نحوها مع بداية تعافي اقتصادها،لكن القارة العجوز متذبذبة في نموها نتيجة وجود اقتصاديات مهمة وظروفها صعبة وهي أتعس من الحالة التونسية،لذلك فان ذات المخاطرة في تقديرات الصرف غير محسوبة والى حد الان أمام ضعف الاحتياطيات النقدية للدولة واستنزافها وعدم اعلان الدولة على الاسباب الحقيقية وراء ضعف الدينار وسقوطه المدوي رغم ان السياسات الاقتصادية السليمة وسط أجواء استثمارية ملائمة وقوانين واضحة بعيدا عن الفساد المستشري والأوضاع السياسية التعيسة التي مردها رؤوس الأموال والسياسيون الفاشلون،تؤكد أن تراجع العملة المحلية يجذب استثمارات ضخمة للدولة و يزيد من الصادرات بشكل لافت.

الى جانب سعر النفط وسعر صرف الدينار،بنيت موازنة الدولة في قانون المالية لعام 2016 على فرضيات وتخمينات أخرى منها تعبئة موارد خارجية فيشكل قروض وهبات ومصادرة أملاك بلغت نحو 7 مليار دينار،المضمون منها هو أموال المصادرة والمقدرة بنحو 200 مليون دينار لان الدولة تتحكم فيها،لكن باقي المبالغ الضخمة المطلوبة تظل تقديرات ويصعب تحصيلها الا بتنازلات مشطة سيعاني منها المواطن التونسي الأمرين،فالمواطن التونسي المنهك والمنقرض تدريجيا من الطبقة الوسطى أقرض الدولة العام الماضي مليار دينار،لكن مع انعدام السبل والإصلاحات الاقتصادية الصحيحية سيجد نفسه هذا العام يدفع أكثر من 5 مليار دينار فوائد لديون تحصلت عليها الحكومات المتعاقبة وذهبت في مهب الرياح دون ان يشاهد تنمية تذكر في قراه ومدنه وجهاته،وربما ستطالبه الدولة باقراضها من جديد لان وثيقة قانون المالية تؤكد على ضرورة تعبئة قروض داخلية بقيمة 2 مليار دينار، ومجتمع الاعمال الذي يملك أموالا سائلة بمختلف العملات أكثر من الدولة نفسها سيقايض بلاده ووطنيته بما لا يحمد عقباه. أما فيما يتعلق بالهبات(150 مليون دينار) والقروض الخارجية (3594 مليون دينار) واصدار صكوك اسلامية (1000 مليون دينار)، فان السلط السياسية رغم ما تقوله بأن علاقتها جيدة مع جميع الدول فان النار تخلف رمادا، ومن ساعد الحكومات السابقة وتمت سرقته أو تم شتمه عن قصد أو جهل فان وقتا طويلا ينتظر دولتنا لإعادة الثقة المفقودة، وما جنته الدولة من قروض خلال السنوات الاخيرة أغلبها من الصناديق المتعارف عليها وأهمها صندوق النقد الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والصناديق الأوروبية المختلفة، ولعل زيارة كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي الاخيرة لتونس تصب في نفس الخانة حيث وضعت شروطا مجحفة وأملت قراراتها ومنها ما يعرف برسملة البنوك الذي تم تمريره دون ضجيج . كما فرضت اصلاحات أخرى تصب في صالح الخصخصة والارتهان المتواصل للخارج.

هذه لمحة عن مؤشرات الاقتصاد الكلي والسياسةالاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدتها الدولة في موازنة 2016 وسنعود لاحقا في الجزء الثاني الى التفاصيل الجزئية وخاصة موضوع الجباية..

 (*)مدير عام مجموعة اقتصادية ومحلل اقتصادي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة