الأسبوع السياسي: قانون المصالحة الاقتصادية والمالية.. الفتنة الكبرى - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 16 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
17
2018

الأسبوع السياسي: قانون المصالحة الاقتصادية والمالية.. الفتنة الكبرى

الاثنين 17 أوت 2015
نسخة للطباعة
الفتن ليست بالضروة نتيجة النوايا السيئة فحسب، فحتى النوايا الحسنة لها فتنتها!
الأسبوع السياسي: قانون المصالحة الاقتصادية والمالية.. الفتنة الكبرى

نور الدين عاشور - 

لا حاجة إلى طرح سؤال حول ارتفاع عدد الأصوات المعارضة والمنتقدة بشدة للمبادرة التشريعية الرئاسية المتمثلة في مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، مقارنة بخفوت الأصوات المتدافعة عن المشروع، ذلك أن المسألة لا يمكنها أن تحظى بإجماع سياسي وشعبي، بالنظر إلى أن الفكرة في حد ذاتها ومن ثم مختلف التسويات تعتبر لدى الكثيرين غير مستساغة وتطرح شكوكا حول مدى جدية مقاومة الفساد ومحاسبة منتهكي القانون هذا بالإضافة إلى الجوانب المبدئية والأخلاقية للمسألة في مجتمع مازال، عموما، حسّاسا لهذه الجوانب.

لا يمكن الحديث عن مغامرة رئاسية معاكسة للتيار العام بقدر ما تتزاحم التساؤلات في الأذهان حول الهدف من مشروع القانون وموقعه ما يمكن تسميته بـ المصالحة الوطنية الكبرى الكفيلة بالمحاسبة والاعتذار ثم طي الصفحة والتفرغ للمستقبل على أن لا تتجدد مختلف الممارسات من استغلال النفوذ والفساد بشتى أشكاله مستقبلا في بلد عماده الدستور ومبدؤه الديمقراطية وسنده الأخلاق. شئنا أم أبينا يبقى الشعب التونسي عموما رافضا لكل تلك الأمراض التي نخرت ولا تزال أسسه.

من تحصين الثورة إلى المصالحة الاقتصادية والمالية

ما أشبه اليوم بالبارحة!، كما يقال، في جوان 2013 كانت تونس تعيش أجواء حمى مشروع قانون تحصين الثورة الذي نشر نصه المجلس التأسيسي على موقعه الالكتروني فيما كانت أجواء المجلس يسودها توتر، عنوانه الكبير هجمة البلدوزر من خلال حركة النهضة وحزب المؤتمر وحركة وفاء وكتلة الحرية والكرامة المدافعة بشراسة على مشروع كان همه الأول والأخير إقصاء مسؤولي النظام السابق من المشاركة في الحياة السياسية وبالتالي قطع الطريق أمام مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2014.

 بعد بضعة أسابيع فقط، كانت الكلمة السحرية التوافق التي ولدت في باريس خلال لقاء راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي والتي أصبحت البلاد تعيش في ظلها إلى اليوم، مشروع قانون تحصين الثورة لم يترك وراءه إلا ركاما من التصريحات النارية والشتائم بعضها دخل في سياق عفا الله عما سلف فيما ظل البعض الآخر حبيس القلوب.

شبه اليوم بالبارحة ليس كليا هذه المرة، فنداء تونس حزب أغلبي في الحكم والنهضة أحد شركائه، ومشروع المصالحة الاقتصادية والمالية تقدم به رئيس الجمهورية الذي يعبر عن إرادة كل التونسيين، لكن في انتظار تعمق هياكل حركة النهضة في دراسة المشروع، وفيما يخيم التوافق على الموقف ظاهريا وخصوصا في الرباعي الحاكم، لم تهدأ الأصوات المنتقدة بل المعارضة لمشروع القانون.

مؤاخذات قانونية

الأهم، أن الانتقاداتتبدو منطقية حتى بالنظر إلى الدستور حيث ينص الفصل 148 على أن التزام الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية وفق القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها بل إن الفصل 15 منه ينص على أن لا تعني المصالحة الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

ودون الغوص في مختلف تفاصيل المؤاخذات القانونية على مشروع القانون تبقى هناك جوانب هامة يتعين أخذها بعين الاعتبار، فلا يجب أن يسود الانطباع بأن المصالحة في تونس يمكن تجزئتها عبر مراحل تكون الحالية منها للموظفين العموميين المتورطين في الفساد المالي والاعتداء على المالي العام، وبالتالي فإن مثل هذه القوانين كفيلة بتمييع الملف الأهم ألا وهو المصالحة الوطنية الكبرى بكل متطلباتها القانونية.

من المؤكد أن الفساد، مثله في ذلك مثل الإرهاب كظاهرة، يحبذ المهادنة ويسعى إلى فرض التعايش معه، وهو أمر يرفضهالمنطق، انظروا كيف أن الديمقراطية في العراق تخاذلت أمام الفساد فصار اليوم موضوع مظاهرات شعبية وإجراءات حكومية لا أحد يعلم مدى قدرتها على اجتثاث تلك الآفة، وهذا يتطلب منا في تونس النأي عن الوصول إلى هذا الوضع.

لا لـ تونسة قضية الفساد

لا بد من الوضوح فيما يتعلق بالفساد وبكل أشكاله، وضوحا يكون بتطبيق القانون وليس برمي التهم جزافا على البعض وبتنزيه البعض الآخر، فهل كان الفساد حكرا على العائلة الحاكمة وأتباعها في النظام السابق وأن هناك رجال أعمال مظلومين؟ المسألة لا تتحمل التأويل أو تفصيل قوانين على مقاس أشخاص أو فئات معينة، فبهذه الطريقة نتونس قضية الفساد ومحاسبة المتهمين على اعتبارأن البلاد في حاجة أكيدة إلى أموال واستثمارات، بينما ينادي المنطق بوجوب تطبيق القوانين والمساواة بين الجميع.

وإذا كانت حركة نداء تونس قد رفضت في موقفها من مشروع تحصين الثورة إقصاء أيكان دون المرور عبر القضاء ورأت أن المشروع في حد ذاته انتقائيا يهدف بالأساس إلى إقصاء خصوم سياسيين لحركة النهضة فإن مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية يمكن أن يعتبره الكثيرون انتقائيا وأنه يهدف إلى تمكين البعض من طوق النجاة من العدالة الانتقالية.

أية بشرى يحملها مشروع القانون الرئاسي للهيئات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي؟ وأية مؤشرات إيجابية تقدم للمسثمرين الأجانب؟ بالتأكيد سيكون هناك شك قد يتحول إلى شكوك، وكلما قويت موازين الشك خفّت موازين الثقة في مناخ الاستثمار وجدية مكافحة الفساد وبالتالي في القدرة على إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

هناك خشية من أن يجد الفساد في مشروع القانون نفسا يتجدد من خلاله فـ التسويات تبقى دوما قابلة للنقاش ولا يمكن أن يحصل بشأنها إجماع وحتى التوافق، بشأن الملف الشائك، سيكون مرحليا وخاضعا لتوازنات سياسية. الأهم الآن أن لا يتحول قانون المصالحة الاقتصادية والمالية إلى فتنة كبرى، والفتن ليست بالضروة نتيجة النوايا السيئة فحسب، فحتى النوايا الحسنة لها فتنتها!.

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة