على خلفية الخلاف بين الاتحاد والحكومة حول الزيادة في الأجور.. ما الحقيقة وهل من حل؟ (4/2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 23 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
24
2018

على خلفية الخلاف بين الاتحاد والحكومة حول الزيادة في الأجور.. ما الحقيقة وهل من حل؟ (4/2)

الثلاثاء 7 جويلية 2015
نسخة للطباعة
على خلفية الخلاف بين الاتحاد والحكومة حول الزيادة في الأجور.. ما الحقيقة وهل من حل؟ (4/2)

بقلم المنصف شـطورو (خبير اقتصادي( - 

الزيادة في الأجور وتحسين مستوى العيش: الخدعة الكبرى

لقد بات من دواعي التعجب والعجب أن نرى أن ارتفاع الأجور سنويا وصل إلى حدود قياسية سنة بعد سنة ناهزت الـ6% بالإضافة إلى الترفيع في منحة النقل ولكن رغم ذلك لم نر أبدا تحسنا في مستوى معيشة الأجـراء بل كان العكس ما وقع حيث تقهقرت. ومن هنا نستنتج جليا المفارقة بين الزيادة في الأجور من جهة وتدهور المعيشة من جهة أخرى حيث أنه كـان من المفترض أن يتحسن الأجر في المعيشة في نظــام متوازن وفي سلسلة متواصلة. ولكن يبدو أن هذه السلسلة وقع كسرها في مرحلة من المراحل. نعم ولكن أين؟...

بالرجوع إلى مبادئ الاقتصاد المالي في الأطروحة المالية لتعديل السوق نجد أن ضخ كتلة مالية في السوق وفي الحياة اليومية للبلاد، لا بد أن يعادلها خلق متكافئ للإنتاج والثروة مما ينتج عنه أن وسائل تعديل وتحقيق استقرار في الاقتصاد يبدأ باستقرار الأسعار. والمتغير الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هنا هو زيادة أو نقصان معدل الفائدة للبنك المركزي. ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك والشرطان الأساسيان لنجاح المعادلة غير متوفران: فمن جهة نجد الأسعار غير مستقرة من يوم إلى يوم ومن جهة أخرى نجد أن خلق الثروة والنمو في البلاد قد تراجع...ومن هنا وقع تحطيم سلسلة تعديل المعيشة عن طريق الكتلة المالية المتداولة في السوق وخسرت البلاد نتيجة ذلك أقوى سبلها لحل المشكل.

وبالرجوع إلى الفرضية التي انطلقنا منها، فإن الزيادة في الأجور هي نتيجة مبــاشرة للزيــادة في المؤشر العام للأسعار، والزيادة في مؤشر الأسعار هي نتيجة مباشرة للزيادة في الأجــور وهي حلقة مفرغة لا خروج منهــا إلا بوضع حــاجز يكسر هذه الحلقة وهو العمل والإنتـاج وخلق الثروة لتعديل الكفة ولتصبح للنقود المتداولة في السوق المالية قيمة شرائية بعد أن سقطت قيمة الدينار.

أما في النظام الحاصل الآن فإن كل زيادة في الأجور في القطاعين العام والخاص ينجر عنها ضخ حوالي مليارين من الدينارات في السوق المالية دون إنتاج مكافئ وهو ما يولد التضخم المالي الذي يولد بدوره غلاء الأسعار. هذا في ما يخص السبب الرئيسي لتدهور المعيشة وبطبيعة الحال فإن هناك أيضا أسباب أخرى ثانوية أقل أهمية ولكنها تساهم أيضا في تدهور المعيشة ولكن الخاصية الجوهرية التي تمتاز بها هي أنها فروع تنحدر من جذع أصلي مشترك ألا وهو التضخم المالي. هذه الأسباب هي:

1.الإضرابات المتكررة وعدم الاستقرار الاقتصادي وزيادة كلفة الإنتاج من سنة إلى أخرى نتيجة للزيادة في الأجور.

2.انقلاب الرؤية تجاه العمل حيث أصبح الإضراب هو القاعدة والعمل هو الاستثناء.

3.ضعف الدولة في مراقبة الأسعار والاستغلال والاحتكار وعدم تحمل مسؤوليتها في التحرير حيث جعلت 87 % من أسعار المواد محررة عن طريق القانون عدد 64 لسنة 1991 وزاد المهدي جمعة الحالة ضعفا بتحريره لأسعار الإسمنت.

وللرجوع إلى موضوع الزيادة في الأجور فقد بات الأمر يشبه خدعة كبرى، الغرض منها الشعبوية واستقطاب تعاطف وتأييد الرأي العام حيث أن اتحاد الشغل أصبح يتوخى طريقا محفوفا بالمخاطر بفرض هذه الزيادات، والتي أثبتنا في الفقرة السابقة أنها يمكن أن تكون نافعة و يمكن أن تكون مضرة للمواطن العادي و ذلك مناط بمدى خلق العمل للثروة والإنتاج، أما في الصورة التي عليها المجتمع الآن فإن الزيادة ستكون مضرة بحتة لاسيما أننا في شهر الصيام والموسم الصيفي والحصة الواحدة والتي يزيد فيها انخفاض الإنتـاجية لا محالة والتي نزلت إلى مستوى 50 % حسب الدراسات... فأي صاحب رأس مال سيتشجع على الاستثمار في ظل هذه الظروف و أية ثقة سيعطيهــا لعمال يعملون بنصف طاقتهم الإنتاجية يوما ثم يضربون عشرة أيام ثم يطالبون بالزيادة في الأجر وعدم خصم أيام الإضراب الضائعة من أجرهم؟ وفي نظر اتحــاد الصناعة والتجارة، فإن هذه الوضعيات تنذر بتفكير البعض بالرجوع إلى توجهات السوفيات في الستينـات والسبعينات ودكتاتورية البروليتاريا وصراع الطبقات وهي نظرة طوباوية مقارنة بما أحرزه المجتمع التونسي والعالم من تقدم. و في ما يخص الزيادة في الأجــور دون زيادة في الإنتاجية ودون عمل و دون خلق للثروة أو لقيمة مضافة، فإن اتحاد الأعراف يرى أنه لن يفرز أبدا تحسنا في مستوى المعيشة وإنما تضخما ماليا وزيادة في الأسعار. وتفضل منظمة الأعراف، في هذا السياق، العمل على التحسين الفعلي لمعيشة المواطن وذلك باستعمال وسائل أخرى وهي مقاومة التضخم الآلي وترشيد المطلبية. وحسب أعضاء المكتب التنفيذيالوطني لمركزية الأعـراف فقد انقضى ذلك العهد الذي كانت فيه المؤسسات مستعدة للتنازل والقبول بزيادات الأجور مقابل وعود حسن نية من العمال في الرجوع إلى نسق إنتاج طبيعي ولكننا اليوم، و في ظل انقلاب الأوضاع هذا، أصبحنا نتحدث على إمكانية المحافظة على مواطن الشغل الحالية. كما يؤكد الأعراف، مستعينين في ذلك بالخبراء الاقتصاديين، أن نظرية اتحاد الشغل في تدارك خسارة الزيادة في الأجور على حساب الزيادة في نسق الاستهلاك لم تعد واقعية ولا حقيقية لأن التجربة وقع استهلاكهــا سنوات 2011، 2012 و2013 ولم تعط أكلها مع النتائج الكارثية التي أفرزتها على المشغلين وعلى خزينة الدولة، هذا فضلا أنها لم ترفع في نسبة النمو الاقتصادي وأغرقت البلاد في الديون الخارجية وعجز الميزان التجاري وميزان الدفوعات.

في ندوة عقدها الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية يوم 12 ماي 2015 حضرها السيد وزير المالية سليم شـاكر الذي استعرض ضرورة العودة إلى الاقتراض الخارجي مجددا لتغطية الزيادة في الأجــور كمــا لم يفته أن ينصص أن حق الإضراب تحول إلى وجوبية الإضراب. هذا مع الملاحظة أن فوائض الدين الخارجي لبلادنا وصل سنة 2015 إلى مليار دينـار و705 مليون دينار أو 1705 مليارا بلغة المواطن العادي. كما أعلن الوزير أن المؤشرات الاقتصادية سلبية في مجملهـا منددا بغياب الوعي بهذه الصعوبات و بتداعياتهـا المستقبلية.

ورغم أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بلادنا متواصلة منذ 2011، إلا أنها أخذت منذ بداية السنة الحالية منعرجا خطيرا غير مسبوق جعلها تصل ذروتها والسبب هو فشل حكومة المهدي جمعة - الوضعية ولم تهيئ الجو لانفراج اقتصادي، ولعل أصعب الملفات التي قامت حكومة المهدي جمعة بترحيلهــا إلى حكومة الصيد والتي باتت مزمنة هي ملف الفسفاط الذي كلفالدولة 4000 مليار من الخسائر ووصل اليوم إلى توقف الإنتاج بالكامل مما سيضطر الحكومة الحالية عاجلا أم آجلا أن تقف أمام الأمر الواقع وتتحول، دون إرادتها، إلى حكومة إنقاذ وكان ذلك سببا من أسباب استقالة حسين الديماسي وزير المالية سابقـا الذي فضح هذه الممارسات والانزلاقات وتنبأ بالحالة الكارثية التي ستصل إليهـا البلاد نتيجة المطلبية المجحفة وسياسة الاقتراض بغرض الاستهلاك.

وللتذكير، فإن عدد الإضرابات غير القانونية تصاعد بنسبة 30.5 % من 2013 إلى 2014 مثله مثل عدد أيام العمل الضائعة بنسبة 61 % وهي أرقام مهولة لا يستطيع الناظر إليها إلا أن يمتنع عن استثمار مليم واحد مضمن بالبنوك، دون الحديث أن هذه الأرقام تثبت قطعا أن الزيادة في الأجور لم تحل أبدا المشكل. ودائما حسب اتحاد الصناعة والتجارة، فإن سياسة اتحاد الشغل من مطلبية ومغالاة في المطلبية دون الاكتراثبالموارد والنتائج هي التي تصنع البطالة وتدهور معيشة المواطن وتعمق في الأزمة الاقتصادية وتخفض في تنافسية المؤسسة الاقتصادية مما يضطر هذه الأخيرة إلى الترفيع في أسعار موادها و يضطر الدولة للترفيع في الأداءات للتعديل بين المداخيل والمصاريف، ما يرجعنا إلى الحلقة المفرغة التي وصفناها سابقا ويجعل المؤسسة والدولة على حد السواء عـاجزتان عن التشغيل.

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة