انتهاكات صارخة.. «بيوت دعارة».. والبلدية «شاهد ما شافش حاجة» - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Sep.
19
2019

«الصباح» تفتح ملف المدينة العتيقة بسوسة

انتهاكات صارخة.. «بيوت دعارة».. والبلدية «شاهد ما شافش حاجة»

السبت 30 ماي 2015
نسخة للطباعة
البناء الفوضوي يهدد «التصنيف» العالمي للمدينة

تعدّ المدينة العتيقة بسوسة من بين أجمل المدن ممّا أهّلها أن تكون معلما أثريّا وتراثا عالميّا على غرار المدينة العتيقة بالقيروان والمدينة العتيقة بالعاصمة إلاّ أنّ واقع المدينة اليوم يختلف كثيرا عن ماضيها الحافل حيث كانت تلعب دورا هامّا في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في زمن كانت تشهد فيه ازدهارا تجاريّا وحرفيّا وصناعيّا وكانت الوجهة الأولى لكلّ متبضّع أو سائح قادم من مختلف جهات البلاد أومن خارجها فقد كانت تتواجد عديد المهن والحرف والصّناعات التّقليديّة التي غادر ممتهنوها محلاّتهم وتخلّوا عن حرفهم نتيجة للكساد الذي ضرب تجارتهم نتيجة غياب إرادة واضحة وصريحة تهدف إلى دعم المهن والحرف الصّغرى وتبحث عن آليّات من شأنها أن تخلق زيجة بين الحداثة والأصالة بما يجعل هذه الحرف والمهن الصّغرى تواكب روح العصر دون المساس بجوهرها وأصلها.

 

ناقوس خطر
 إنّ التّهميش الذي تشهده المدينة العتيقة لم يعد يقتصر على الجانب التّجاريّ والاقتصادي فحسب بل تجاوزه إلى ما هو أخطر من ذلك  بكثير فخلال الأربع سنوات الأخيرة طالت يد العابثين والمستهترين المدينة ومسّتها في عمق جوهرها ومضمونها من خلال ما عرفته ولازالت تشهده إلى اليوم وفق شهادات متساكنيها وتجّارها من اعتداءات سافرة وممنهجة تستهدف خصوصيّات طابعها المعماريّ الذي طال أكثر من معلم وهو ما جعل العديد من أحبّاء المدينة ومتساكنيها الغيورين يطلقون صيحات فزع ويدقّون ناقوس الخطر فنظّموا تحرّكاتهم ونشطوا في صلب  العديد من المنظّمات والجمعيّات في محاولة للفت الانتباه وتسليط الضّوء على عديد الخروقات والتّجاوزات الموثّقة والقائمة وإشعار السّلط المعنيّة والمسؤولة فضلا عن تقديم تصوّرات وخطط عمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المخزون الحضاري والثقافي للمدينة وللحيلولة دون تنفيذ مخطّط يهدف إلى طمس وتشويه هذا المعلم الأثريّ والموروث الحضاريّ.
“الصّباح” اتّصلت ببعض ممثّلي مكوّنات المجتمع المدنيّ وعدد من متساكني المدينة ورصدت جانبا من التحدّيّات والإشكاليّات الحقيقيّة التي تعيش يوميّا على وقعها المدينة العتيقة بسوسة.
 نظافة المدينة من أوكد الأولويّات
اعتبر بدر الطّرابلسي كاتب عام جمعيّة “سوسة غدا” أنّ المدينة العتيقة تشكو من انتشار الأوساخ المتراكمة في مختلف أنهجها وأزقّتها واعتبر أن البلديّة متقاعسة ومقصّرة في مجال رفع الفضلات بصفة منتظمة وبيّن أنّه كلّما وقع إشعارها بهذا التقصير تعلّلت بعدم توفّر معدّات وتجهيزات صغيرة الحجم يمكنها النّفاذ عبر المسالك والأنهج الضيّقة لبلوغ نقاط تجميع الفضلات المنزليّة واستغرب من عدم توفير بلديّة في حجم الإمكانيات المتاحة لبلديّة سوسة لهذا الصّنف من المعدّات والتعلّل في كلّ مرّة بتعطّل الآلة الوحيدة المتهرئة منذ ما يزيد عن ستّة أشهر وأكّد الطرابلسي أنّه لولا تدخّل مكوّنات المجتمع المدنيّ وخصوصا في الأعياد الرّسميّة لرفع الفواضل بالمدينة لكانت الكارثة الصحيّة بامتياز وقد لمسنا نفس الانطباع لدى سيّدة عجوز تقطن بالمدينة حيث حمّلت بعض السكان مسؤوليّة عدم الالتزام بوضع الفواضل في الأماكن المخصّصة لها ممّا يعسّر عمل عمّال النّظافة ويجعلهم يتخاذلون عن أداء واجباتهم المهنيّة على الوجه المطلوب، الشيء الذي يضفي على المكان مناخا بيئيّا لا ينسجم مع ما تقتضيه المدينة وهو ما يحول دون الاستغلال السّياحي الأمثل للمخزون الثقافي والحضاري الغزير للمدينة.
  توفير الأمن  وحماية السائح
يرى مراد البحري رئيس جمعيّة “دار الحرفيّ المبدع” أنّه بعد العمل الجدّي على رفع التّحدّي الأول المتعلّق بنظافة المدينة العتيقة ومحيطها من كلّ مظاهر وأشكال التلوّث والانتصاب الفوضويّ. لا بدّ من ايلاء الجانب الأمني ما يستحقّه من أهميّة وذلك من خلال تكثيف الدّوريّات الأمنيّة والتّصدّي لعديد أشكال الاستغلال والتّضييق التي يتعرّض لها السّائح من قبل “البزناسة” رغم الجهود المبذولة والتي تبقى في حاجة إلى مزيد التعزيز واقترح البحري ضرورة تركيز” كاميرات” مراقبة بأبرز انهج المدينة وهو مطلب كانت قد تقدّمت به الجمعيّات المعنيّة بتشكيل لجنة لتقديم مشروع وتصوّر إصلاحي للمدينة يتضمّن خطوات عمليّة وتقديمه للسّلط الجهويّة وطالب البحريّ بحسن توظيف معالم المدينة واستغلالها في الحياة الثقافيّة والجمعيّاتيّة وتحسيس النّاشئة بقيمة الموروث الثقافي والحضاريّ للمدينة وتعريفهم بأبرز معالمها قصد تنشئتهم على التشبّث بالهويّة الوطنيّة والعربيّة الإسلامية وتعزيز الحسّ المدنيّ لديهم.
كما شدّد أحد التجّار على ضرورة التصدّي لعديد التّجاوزات الأخلاقيّة الخطيرة والعمل على تطهير المدينة من مرتكبي الفاحشة الذين ينشطون خلال ساعات اللّيل  وقد أعرب عدد من المتساكنين عن تذمّراتهم من التّجاوزات الأخلاقية الخطيرة ومن انتشار ظاهرة البغاء السرّي من خلال نشاط بيوت للدّعارة بالمدينة العتيقة ممّا اضطرّ العديد من أصحاب المنازل إلى المغادرة.
  البناء الفوضوي يشوه المدينة
 ويهدد تصنيفها العالمي
رغم كلّ ما تقدّم من تجاوزات واخلالات يبقى البناء الفوضويّ أبرز الإشكاليّات الخطيرة التي تهدّد عمق المدينة العتيقة بسوسة ممّا يجعل من إمكانية حذفها من التّصنيف العالمي أمرا واردا جدّا في ظلّ الانتهاكات الخطيرة المسجّلة والتي تمسّ بشكل مباشر الخصائص المعماريّة والحضاريّة للمدينة التي عرف عدد كبير من معالمها تشويها أثّر بشكل واضح في الطّابع التّقليدي المميّز لها، اخلالات أكّدت ما يناهز الخمس عشرة جمعيّة (دار الحرفي المبدع –سوسة غدا-نحن نحبّ سوسة –التنمية المستدامة-تجّار وحرفيّ المدينة العتيقة -جمعيّة ميثاق المدينة -جمعيّة البحوث والدّراسات في ذاكرة سوسة...)على فداحتها من خلال محاضر جلسات ومراسلات عديدة وقع توجيهها إبّان وقت ارتكاب الانتهاكات لعديد الجهات المعنيّة على غرار تمثيليّة المعهد الوطني لحماية التّراث وغيرها قابلها صمت مقيت من الجهات الرّسميّة وعلى رأسها بلديّة المكان وعدم تطبيق القانون وتفعيل الإجراءات وبعض الأحكام الصّادرة في شأن العديد من البناءات الفوضويّة والتي مثّلت نشازا معماريّا بامتياز حسب ما جاء على لسان مراد البحري عضو المكتب التنفيذي ورئيس لجنة الصّناعات والمهن بالاتّحاد التّونسي للتجارة والصّناعة والصّناعات التّقليديّة فقد أكّد البحري أنّ المعالم الأثريّة للمدينة العتيقة تتعرّض إلى اعتداءات وانتهاكات ممنهجة طالت الحمّامات الثلاثة المعروفة وهي حمّام” الحوكة” وحمّام “سيدي بوراوي” وحمّام “الباي” الذي تعرّضت قبّته التّاريخيّة والتي تعتبر من أجمل القباب إلى الهدم الممنهج والمفتعل بهدف استغلال الموقع لتشييد بناية عصريّة هجينة عن الطّابع المعماري والهندسي المعروف وبيّن انّه وقع إشعار الجهات المعنيّة قبل الاعتداء على القبّة وتوثيق التّجاوزات والاخلالات إلاّ أن البطء في التدخّل وغياب الإرادة لم يحل دون تعرّض القبة للاعتداء ولولا الضّغط الكبير الذي مارسته الجمعيّات لما وقع وقف الأشغال كما بيّن أحد النّاشطين المدنيين والذي فضّل عدم إدراج اسمه أن أحد الشّخصيّات المعروفة والمنتمية إلى أحد الأحزاب الفاعلة والنّافذة استغلّ علاقاته ونفوذه ومنصبه الحزبيّ -الذي يفترض أن يجعله قدوة ومثالا في تطبيق القانون واحترام مؤسّسات الدّولة ومكتسباتها –لإقامة عمارة ذات أربعة طوابق يحتوي أحدها على خمسة محلاّت تجاريّة راميا بذلك عرض الحائط بمثال التّهيئة الخاصّ بالمدينة ورأى محدّثنا أن المخالف وجد غطاء قانونيّا لتنفيذ مشروعه من قبيل التّخاذل في رفع المخالفات وإيقاف الأشغال والعمل بمبدإ “عين شافت وعين ما شافتش” وغيرها من الأساليب غير المسؤولة وبيّن كاتب عام جمعيّة “سوسة غدا “أن الانتهاك والاعتداء الذي تعرّضت لهما “دار عاشور” والتي تعدّ إلى جانب “دار الشّرع” و”الصّفرة “من أجمل المعالم الأثرية التي تحفظ الذاكرة الشعبيّة والعادات والتّقاليد الخاصّة بالسكّان الأصليين للمدينة خلال حقبات تاريخيّة قديمة خير مثال يغذّي الشعور والإحساس الدّفين بتوفر مقوّمات وعناصر المؤامرة لضرب تراث المدينة العتيقة واستغرب مراد البحريّ كيف أن دولا مجاورة تجتهد ولا تدّخر جهدا في سبيل أن تحظى بشرف إدراج مدنها بقائمة المعالم الأثريّة العالميّة في حين تسعى أطراف أخرى لطمس معالم المدينة العتيقة بسوسة والإساءة إليها ممّا يعزّز وبقوّة حذفها من التّصنيف العالمي كلّ ذلك بسبب طغيان المصالح الماديّة الضيّقة والحسابات المغلوطة.
موقف محافظ المدينة
وممثل المعهد الوطني للتراث
اعتبر رياض بالحاج سعيد محافظ المدينة العتيقة وممثّل المعهد الوطني للتّراث أن دوره يقتصر على إعداد التّقارير ومعاينة المخالفات في كل ما من شأنه أن يمثّل انتهاكا أو ضربا لتراث المدينة وأفاد بالحاج سعيد انّه تم إبلاغ وإشعار الجهات المعنيّة بكلّ التّجاوزات مهما كانت درجة خطورتها من خلال عديد المراسلات الموثّقة في السجلاّت الرّسميّة إلا أن الجهة التّنفيذيّة وعلى رأسها بلديّة المكان  وحدها تبقى لها الصلاحيّات للتدخّل الذي يستوجب الصّرامة في تطبيق القانون وجعله سيفا فوق رقبة  كلّ مخالف مهما كان وزنه أو حجمه  .
أملنا أن تتوفّر إرادة قويّة تغلّب ما تقتضيه مصلحة البلاد والعباد وعزيمة صادقة لتطبيق القانون على الجميع على حدّ السواء وبدون حسابات ومحاباة بما من شأنه أن  يكرّس إيمانا راسخا لدى الجميع بعلويّة القانون وبما يعزّز ثقة الضّعيف في إمكانيّة ردع القويّ والضّرب على يديه متى تطاول على حقّ غيره وحقّ المجموعة الوطنيّة وتلاعب بتاريخ البلاد وبالتّالي يلغي عنده فكرة أن أصحاب النّفوذ لا تطالهم يد القانون وان القانون لا يطبّق إلاّ على الضّعيف ويفنّد التّصوّر السّائد بان القانون وحش كاسر على المواطن الضّعيف والبسيط وهو نعامة على أصحاب النّفوذ والجاه.

 

أنور قلاّلة

إضافة تعليق جديد