سوسة..الانتصاب الفوضوي للمخابز : بين ضعف الهياكل الرقابية وتدني الثقافة الاستهلاكية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Sep.
19
2019

سوسة..الانتصاب الفوضوي للمخابز : بين ضعف الهياكل الرقابية وتدني الثقافة الاستهلاكية

السبت 16 ماي 2015
نسخة للطباعة
وزن «الباقات» نزل إلى 160غ ..و«الطابونة» تكتسح الفضاءات

انتشرت في السّنوات الأخيرة ظاهرة إعداد وبيع خبز الطّابون - نسبة للموضع الذي يعد فيه الخبز والذي تطبن فيه النّار,أي تدفن لئلاّ تطفأ- وأصبحت هذه الظّاهرة عنصرا من عناصر الدّورة الاقتصاديّة ومثّلت بالتّالي مورد رزق للعديد من الأفراد والعائلات التي امتهنت هذه الصّنعة والتي أصبحت تشكّل منافسة شرسة لقطاع المخابز وأثارت حفيظة العديد من أصحاب المخابز والمهنيين الذين يرون في تواجدها وانتشارها غير المقنّن وغير المنظّم حسب رأيهم مسّا من تماسك قطاعهم وتطفّلا عليه وهو ما يفسّر تعالي أصواتهم المندّدة والرّافضة لهذه الظّاهرة التي تنامت واتّخذت بعدا تجاريّا استثماريّا صرفا خصوصا مع حلول الشّهر الفضيل  ,حيث يعمد بعض الفلاّحين إلى تركيز عدد كبير من الطّوابين بضيعاتهم ويؤجّرون  نسوة ورجالا للاضطلاع بإعداد الخبز كما تضطلع دكاكين أخرى بنفس المهمّة بإعداد الخبز وطهوه في طوابين قصديريّة ومن ثمّة عرضه أو ترويجه في العديد من الفضاءات التّجاريّة فضلا عن ان باعة خبز الطّابونة بنوعيها (طابونة الطّين أو الطاّبونة القصديريّة )لا يتورّعون عن اقتحام الطّريق العام فيشغلون الأرصفة وجانبا من الطّريق وأحيانا أخرى ينتصبون في محيط العديد من المؤسّسات العموميّة أو الخاصّة على حدّ سواء فتراهم أمام البنوك وفي محيط المؤسّسات التّربويّة والجامعيّة وبجوار المؤسّسات الاستشفائيّة بل إن الظّاهرة طالت العديد من محطّات الاستخلاص بالطّرق السّريعة.

تداعيات خطيرة
الظّاهرة ولئن كان فيها ضرب لقطاع المخابز(أكثر من 161 مخبزة بولاية سوسة)باعتبارها تمثّل شكلا من أشكال الانتصاب الفوضوي والممارسة العشوائيّة الشيء الذي يمسّ بشكل مباشر مصالح أهل القطاع فإنّ لها تداعيّات أخطر وأكثر عمقا  تتعلّق أساسا بصحّة وسلامة المستهلك باعتبار أن هذه النقاط المعدّة لصنع وبيع الخبز غير خاضعة لأيّ شكل من أشكال المراقبة أوالمتابعة من قبل الهياكل والجهات السّاهرة على المراقبة الاقتصاديّة و الصحيّة بما يضمن التحرّي في مدى سلامة هذه المنتوجات والتزامها بقواعد حفظ الصحّة في مختلف مراحل إعدادها وتسويقها .
ولتسليط الضّوء على هذه الظّاهرة التي شكّلت جدلا متواصلا بين المهنيين وهياكل وزارة التّجارة اتّصلت “الصّباح” بمختلف الأطراف التي لها صلة بهذه الظّاهرة لمعرفة مواقفها ورصد آرائها حول ما يمكن أن ينجرّ عنها  من تداعيات اقتصاديّة وصحيّة.
مخابز عشوائية .. تهدد القطاع وتمس من سمعته
 اعتبر السيّد محمّد بوعنان رئيس الغرفة الوطنية للمخابز أن انتشار هذه المخابز العشوائيّة ونقاط صنع الخبز تمثّل ضربا واضحا لقطاع المخابز وبيّن ان هذه الظّاهرة أصبحت تهدّد أصحاب المخابز والمهنيين باعتبارها أضحت منافسا شرسا للقطاع فضلا عن غياب الإطار القانوني والتّشريعي لمثل هذه المخابز التي تفتقر إلى البطاقة المهنيّة وإلى معرّف جبائيّ يضمن حقّ الدّولة ورأى بوعنان أن الغرفة الوطنيّة للمخابز كانت قد تقدّمت في مناسبات عديدة إلى وزارة التّجارة بمراسلات تدعو فيها مصالح الوزارة وهياكلها بالتّدخّل والتّحرّك لفائدة مصالح قطاع المخابز ومهنيّيه الذين أصبحوا يطالبون باتّخاذ قرارات جريئة وخطوات حقيقيّة تعمل بروح صادقة على تنقية القطاع من الدّخلاء أو على تنظيم هذه النّقاط وإدماجها في القطاع بما يخدم المنظومة الجبائيّة للدّولة ويسمح بمراقبة ومتابعة ظروف عملها ورفع مواطن الإخلال بما يضمن الالتزام  بما ينص عليه القانون المنظّم لقطاع المخابز.
 المخابز العشوائية ..تواجد قانوني وتجاوز للاختصاص
بيّن السيّد النّاصر بالكامل رئيس مصلحة التّجارة والخدمات بالإدارة الجهويّة للتّجارة بسوسة أن عدد المخابز العشوائيّة تزايد بشكل كبير بعد الثّورة حيث عمدت العديد من المحلاّت المتخصّصة في صنع المرطّبات إلى تجاوز الاختصاص وإعداد أنواع من الخبز (الباقات والخبز الصغير من القمح أو الشّعير...)ونلحظ هذا التّجاوز للاختصاص بشكل ملفت مع حلول شهر رمضان، وأوضح ان هذه المخابز العشوائيّة باعتبار أنها تستخدم الفارينة الرّفيعة فان الكثير منها لا يلتزم بالمكاييل والوزن المخصّص للباقات مثلا والمحدّد بـ220 غ وتكتفي بـ160غ وهو ما يعتبر تعدّ على حقّ المستهلك. وبيّن أن مجال تدخّل الإدارة الجهوية للتّجارة يقتصر على تحرير المحاضر الجبائيّة والمخالفات الاقتصاديّة في صورة عدم احترام المكاييل أو استعمال المواد المدعّمة ونفس طبيعة التدخّل تنسحب على الدّكاكين التي تستعمل الطّابونة القصديريّة لإعداد الخبز حيث اعتبر الناصر بالكامل أن هذه الدكاكين لها تواجد قانوني بحكم أنها تتمتّع بمعرّف جبائيّ من أجل ممارسة نشاط صنع الخبز التّقليدي وان نشاطها لا يتطلّب الحصول على رخصة وكرّاس استغلال على غرار المخابز وبالتالي فان دور مصالح إدارة التّجارة يقتصر على التثبّت من الفواتير ومراقبة عدم استعمال المواد المدعّمة .
 ثقافة المواطن وشعار المقاطعة
حمّل السيّد سليم سعد اللّه عضو المكتب الوطني لمنظّمة الدّفاع عن المستهلك وزارة التّجارة وهياكلها النّصيب الأكبر من مسؤوليّة المراقبة والتّصدّي لانتصاب المخابز العشوائيّة بمختلف أنواعها لما تمثّله حسب رأيه من مشاكل على المستوى الاقتصادي وما تشكّله من مخاطر على مستوى صحّة المواطن لذا رأى ضرورة توفير آليّات ومنظومة تكفل حسن المراقبة. وأكّد عضو المكتب الوطني لمنظّمة الدّفاع عن المستهلك انّ إمكانيات المنظّمة محدودة ممّا يجعل من مجال تدخّلها ضيّقا حيث يقتصر على تحسيس المواطن وتوعيته قصد إرساء ثقافة استهلاكيّة حقيقيّة لدى المواطن التّونسي وترشيد المستهلك بما يضمن لديه القدرة على التّمييز بين الغثّ والسّمين علاوة على رفع شعار المقاطعة متى استوجب الأمر ذلك في وجه كلّ من يحاول استغلاله.
مسلك صنع الخبز محفوف بعديد المخاطر الصحيّة
انطلاقا من ان صحّة المواطن تستأثر بالعنوان الأبرز في كلّ نشاط تجاريّ حرصنا على معرفة طبيعة المخاطر الصحيّة التي يمكن أن تهدّد صحّة المستهلك في مختلف مراحل صنع الخبز وخاصّة في الفضاءات والنّقاط الغير خاضعة للمراقبة من طرف الهياكل الصحيّة والاقتصاديّة والتي سبق ذكرها  فبيّن رئيس مصلحة حفظ الصحّة بالإدارة الجهويّة بسوسة الطاهر بوهلال انّ الخبز كأية مادّة غذائيّة عرضة لعديد الجراثيم وهو يتأثّر بشكل كبير في ايّ حلقة من حلقات الإعداد , بداية بعمليّة العجن وصولا إلى عمليّة الطّهو  وبالتّالي فانّ الإخلال بأي شرط من شروط حفظ الصحّة سواء على مستوى نظافة  المحلّ أومائدة الإعداد أوفيما يتعلّق بنظافة وسلامة الشّخص الذي يشرف على العمليّة ووجوب خضوعه إلى تحاليل جرثوميّة بصفة دوريّة يؤثّر حتما على سلامة المنتوج ومن خلاله على صحّة وسلامة المستهلك ولئن لم يعط الطاهر بوهلال أهمّيّة كبرى لتاّثير المواد البلاستيكيّة والخشب المضغوط وبقايا الأقمشة التي تستعمل في عمليّة إحماء الطّابون -التي أصبح يلجا إليها في ظلّ ندرة الحطب وغلاء أسعاره- على جودة الخبز في صورة ما إذا تمّت عمليّة احتراق هذه المواد بشكل تامّ فإنّه شدّد على تأثيراتها السّلبيّة على مستوى تلوّث الهواء والمحيط وفي المقابل حذّر بوهلال من مخاطر تلوّث الخبز عند الجمع بين تزويد الحريف بطلباته وقبض النّقود وهي من المظاهر المنتشرة في العديد من نقاط بيع المواد الغذائيّة سواء المنظّمة أو العشوائيّة التي تتّخذ من الشّوارع والأنهج أمكنة للانتصاب.
ومهما يكن من أمر , يبقى وعي المستهلك ونضجه العامل الحاسم لدعم مجهودات الدّولة وهياكلها للتّصدّي لمختلف مظاهر الاخلالات والحدّ من انتشار الممارسات العشوائيّة لعديد الأنشطة التي تهدّد بالأساس  بشكل مباشر أو غير مباشر صحة وسلامة المستهلك وذلك بالتّحلّي بثقافة استهلاكيّة تجمع بين التعقّل والتّرشّد والمقاطعة من ناحية وتراعي الجوانب الصحيّة وتحترم قواعد السّلامة وحفظ الصحّة من ناحية أخرى.

 

أنور قلاّلة

إضافة تعليق جديد