«الصباح» تفتح ملف «دخلة الباك سبور» في سوسة : تجليات تعبيرية.. «زردة» للمؤسسات الاقتصادية وتجاوزات أخلاقية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Sep.
19
2019

«الصباح» تفتح ملف «دخلة الباك سبور» في سوسة : تجليات تعبيرية.. «زردة» للمؤسسات الاقتصادية وتجاوزات أخلاقية

السبت 25 أفريل 2015
نسخة للطباعة
- التصحر الثقافي والرياضي بمعاهدنا.. المتهم الأول - أحزاب «تسيس» الدخلة وتتكفل بمصاريفها - خطير: «شمروخ» أحرق شعر وجسد تلميذة

مع حلول موعد” الباك سبور” تعيش العديد من المعاهد الثّانويّة أجواء احتفاليّة متميّزة يحرص القائمون عليها على الإعداد والاستعداد لها كأحسن ما يكون من  خلال توفير كلّ ممهّدات النّجاح وعناصر التميز فيقع تسخير إمكانيات ماديّة هامّة وتجنيد طاقات بشريّة هائلة لإنجاح اليوم الموعود وجعله عرسا استثنائيّا على جميع المستويات فيتصدّر الحدث اهتمام الوسط التّلمذي محليّا وربّما جهويّا لتحظى عناصر خليّة الإشراف ولجنة التّنظيم ومن ورائها  بعبارات الإطراء والثناء لعظمة الانجاز ومفخرة الشّباب.
انطلاقا من أنّ دخلة “الباك سبور” أصبحت واقعا وحقيقة قائمة بذاتها لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها - باعتبارها تحظى بقاعدة جماهيريّة كبيرة لدى الأوساط التّلمذيّة رصدت “الصّباح” الظّاهرة وحاولت أن تدرسها  وأن تفسرها بناء على آراء المختصّين في علم الاجتماع وعلم النّفس وأن تنقل ردود الأفعال المختلفة حيالها .

 

« الدخلة» من وجهة نظر اجتماعيّة
يعتبر حسين كريم قلايد الباحث في علم الاجتماع والمتخصّص في الدّراسات التي تعنى بالبيداغوجيا الاجتماعيّة أنّه لا يمكن أن نطلق جزافا على حدث ما مصطلح “ظاهرة “إلاّ متى استوفى جملة من الشّروط فمفهوم الظاّهرة حسب “إيميل دوركايم”  يجب أن يجمع بين التّكرار والانتظام ليصبح حدثا دوريّا في زمن وسياق معيّنين ورأى أنّه لا يجب السّقوط في التّسرّع والابتذال في استعمال مفهوم الظّاهرة الذي يختلف عن مفهوم الحدث العابر فالفعل الاجتماعي عندما يتكرّر ويستشري في المجتمعات يكتسب شرعيّة أولى يستبطنها من القائمين والفاعلين أنفسهم فيبدأ في التّشكّل والتّبلور ليصبح مستجيبا لشروط “الظّاهرة” وبناء على ذلك رأى الباحث الاجتماعي أن “الدّخلة “ يصحّ أن نطلق عليها مصطلح “ظاهرة”.
- بداية التمثّلات وانتزاع الشّرعيّات :
يرى الباحث الاجتماعي أنّ التمثّلات الأولى لهذه التحرّكات الشبابيّة تعود إلى زمن بعيد وتظهر بصفة خاصّة في المقابلات الرياضيّة الحاسمة أو ما تسمّى بـ”الدّربيّات” حيث يفجّر الشّباب طاقاته الكامنة في أشكال تعبيريّة مختلفة ومتنوّعة ويستبيح وقتها كلّ الممنوعات فتسجّل أحداثا تعتبر في الأعراف الجارية أو المنظّمة للتّعايش إخلالات وكان يقع التّعامل مع هذه الظّواهر وفق اجتهادات شخصيّة غير مهيكلة وغير واضحة ثمّ مع بداية سنة ألفين بدأت تتمظهر هذه المجموعات الشبابيّة في شكل مجموعات منظّمة تستعدّ للأعراس الكرويّة الهامّة بتوفير المال والعتاد وما تستلزمه “الدّخلة”من تحضيرات ومظاهر الزّينة من لافتات عملاقة تتضمّن رسائل قصيرة تفتخر وتعتدّ بالجمعيّة أحيانا وتبعث برسائل مستفزّة للفريق الخصم أو حتّى الجهة التي ينتسب لها الفريق المنافس أحيانا أخرى.
وبما أن جمهور الملاعب يضمّ عددا كبيرا من الشّباب التّلمذي انتقلت العدوى من المدارج والملاعب لتشغل ساحات المؤسّسات التّربويّة واتّخذت من حدث “الباك سبور” خير مناسبة فكانت البدايات بعدد قليل من المعاهد ثمّ مع تتالي الأعوام انتشرت الظّاهرة بسرعة كبيرة وعمّت أغلب المعاهد الثّانويّة بمختلف مناطق الجمهوريّة  وبالتّالي أصبح الاحتفال ذو طابع جماهيريّ واسع يرتقي إلى مستوى العمل الممنهج الذي يقع الإعداد والاستعداد له مسبقا وبدأ السّعي حثيثا لانتزاع الشّرعيات التي بدأت بالشّرعية المستبطنة لدى الفاعلين أنفسهم الذين يرون فيها شرعيّة تتجاوز الشرعيّة الممنوحة من الجهات الرّسميّة فهي في نظرهم شرعيّة تتميّز بالنّفوذ الواسع الذي يجعل منها شرعيّة مقاومة وصامدة ومستميتة وشرسة وشيئا فشيئا تعزّزت هذه الشّرعيّة بشرعيّات أخرى عبر توصل عدد كبير من التّلاميذ إلى استمالة عطف أوليائهم أو الدّخول معهم في مقايضات فانخرط الوليّ مكرها في توفير مبالغ ماليّة هامّة والمساهمة في تمويل هذه الدّخلة والسّهر على إنجاحها, وتتعزّز هذه الشرعيّة بشرعيّة أخرى مستمدّة من صمت إدارة المؤسّسات التّربويّة حيال هذه الظّاهرة التي تتمّ في الحرم التّلمذي وعلى مرأى ومسمع من الإطار التّربويّ والإداري للمعاهد الثّانويّة في ظلّ غياب نصّ قانوني واضح يمنع تنظيم مثل هذه الاحتفالات التي تسهم بشكل أو بآخر في إنعاش العديد من المؤسّسات الاقتصاديّة من خلال الأموال الطّائلة التي تصرف في عمليّات تفصيل وطبع الأقمصة واللاّفتات العملاقة وهي لعمري شرعيّة اقتصاديّة تنضاف لبقيّة شرعيّات “الدّخلة” ؟
-  أسباب بروز الظّاهرة واستفحالها :
أرجع الباحث في علم الاجتماع حسين كريم  قلايد  بروز هذه الظّاهرة وصمودها رغم استهجان عديد الأطراف إلى التّصحّر الأخلاقي وخصوصا الثقافي والرّياضي الذي عاشته ولازالت تعيشه المؤسّسات التّربويّة التي تنصّلت من كلّ الأنشطة الثقافيّة من موسيقى ومسرح وسينما وفنون من جهة ونظرا لغياب الحوافز التي تشجّع المؤطّرين والمشرفين على مثل هذه الأنشطة من الانخراط في الحياة الثقافيّة والرّياضيّة بالمؤسّسة التّربويّة فأضحى الشّباب نافرا من المؤسّسة التي اقتصرت لمدّة طويلة على حشو العقول دون أن تولي الجانب النفسي والسيكولوجي والعاطفي لروّادها ما يستحقّ فهمّشت كلّ ما من شأنه أن يستقطب الشباب ويفسح له المجال لتفجير طاقاته الإبداعية من خلال مباريات رياضيّة  كانت في سنوات وعقود خلت تقام بين المعاهد وسط أجواء تنافسيّة حارة يجد فيها الشباب متنفّسا حقيقيّا لتفريخ شحناته وطاقاته الكامنة التي يتولّى المؤطّرون صقلها وتهذيبها وحمايتها من كلّ منزلق خطير.
-  بين التّوظيف السّياسي والتّجاوز الأخلاقي:
أكّد العديد من الشبّان على انّه وقع استقطابهم من قبل عدد من ناشطي الأحزاب الذين سهروا على تأمين مبالغ ماليّة هامّة لكسب ودّهم .
فباعتبار أن “الدّخلة” تستأثر باهتمام الشّباب يراهن ممثّلو بعض الأحزاب على التكفّل بالمصاريف الباهضة التي يستوجبها العرس وذلك في خطوة غير محسوبة لا تراعي إلاّ المصلحة الضيّقة لمستقبل هذا الحزب السّياسي الذي يرمي من خلال هذه الحركة إلى طلب ودّ الجمهور التّلمذي الواسع لوقت الضّيق عاملا بالمثل القائل”اكرم الفم تستحي العين” كما انّه وجب الإشارة إلى أن دخلة “الباك سبور”  تسجّل في بعض الأحيان العديد من التّجاوزات الأخلاقية من خلال الشعارات المرفوعة وما تتضمّنه من عنف مادّي ومعنوي أو من خلال ما تسجّله بعض “الدّخلات “من استهلاك لمواد كحوليّة بل ومواد مخدّرة وما ينجرّ عنها من تهوّر في سياقة الدرّاجات النّاريّة أو السيّارات وفي استعمال مواد خطيرة على غرار الشّماريخ والألعاب النّاريّة وما الحادثة التي جدّت بأحد المعاهد الثانويّة بمدينة المنستير نهاية الأسبوع الماضي حيث التهمت نيران الشمروخ جسد وشعر تلميذة إلاّ خير دليل على الانزلاقات الخطيرة التي تشهدها بعض “الدّخلات” لذا وجب على الهيئات والمنظّمات والمؤسّسات الحكوميّة والخاصّة التي تعنى بالشّباب الاضطلاع بدورها وتحمّل مسؤوليّاتها كاملة من خلال القيام بمراجعة هيكليّة واسعة لبرامجها والعمل على توفير مادّة تستقطب الشّباب وتحتضنه وتعمل على تأطيره في فضاءات وأطر قانونيّة مدروسة تراعي احتياجات وحاجيات هذه الفئة العمريّة الحسّاسة والهشّة للمحافظة عليها من كلّ أشكال الابتزاز والاستغلال خصوصا وقد برهنت العديد من دخلات “الباك سبور “ على ما يزخر به شبابنا من طاقات خلق وإبداع وما يتميّز به من خيال خصب من خلال ما رفع في البعض من هذه التّظاهرات من شعارات تدعو للحبّ وللحياة والتمسّك بوحدة الوطن.

 

أنور قلاّلة

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد