في الذكرى 15 لرحيله: حاسبنا "البورقيبية".. فمتى سيحاسبنا بورقيبة؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Aug.
25
2019

في الذكرى 15 لرحيله: حاسبنا "البورقيبية".. فمتى سيحاسبنا بورقيبة؟

الأحد 5 أفريل 2015
نسخة للطباعة
في الذكرى 15 لرحيله: حاسبنا "البورقيبية".. فمتى سيحاسبنا بورقيبة؟

 رحل منذ 15 عشرة سنة..غيبه الموت بعد سنوات من العزلة والإقامة الجبرية..رحل بصمت ودون تذمّر..توارى الجسد في الثرى وبقيت أفكاره ورؤاه ارثا نعود له زمن التصحّر السياسي...إنه الزعيم الحبيب بورقيبة الأب المؤسس للجمهورية وباني الدولة الحديثة..والرئيس "المغدور" من رجال البلاط والذي أطيح به من عرش قرطاج "بانقلاب طبي" بعد أن وهن وأوهن الدولة معه..

غادر بورقيبة السلطة ثم غادر الحياة ولكنه لم يغادر ذهن ووجدان شعبه وأجيال متعاقبة  من النخب فيهم من عارضه وجادله وتمرّد عليه ولكنه لم يستطع كرهه أو النقمة عليه أبدا ، ما عدا أولئك الذين كان بورقيبة "عقدتهم" الأبدية بأفكاره التقدمية التي تكشف في كل مناسبة مدى رجعيتهم وضحالة أفكارهم مقارنة بأفكار ورؤى الزعيم رغم أخطائه السياسية وهنات حكمه ..

 غدا تحتفي تونس بالذكرى الخامسة عشرة لرحيله..فهل كنّا ورثة مخلصين لأفكار بورقيبة  أم أن البورقيبية بقيت مجرّد "أصل تجاري" يتداول بين الساسة للتأثير على الأوفياء لزمن الزعيم؟

ماض متوهّج في حاضر باهت 

لم تحرّر الثورة الشعب التونسي من شرنقة الاستبداد والدكتاتورية فقط بل رفعت "الحظر" على بورقيبة نفسه، ونفضت الغبار على السنوات الأخيرة من حياة الزعيم الذي أمضاها وحيدا في منزل العائلة بالمنستير بعد أن تخلّى عنه رجاله ووزراؤه وحاشيته وحتى أقرب المقربين إليه..

لكن الثورة أعادت بورقيبة الى واجهة الأحداث وعادت انجازاته للتوهّج ..كما عادت أخطاؤه لتحاكم علنا من خلال عديد الآراء والأطروحات والقراءات من زوايا مختلفة لانجازات زمن بورقيبة وكذلك لهنات حكمه ولهفواته وغروره السياسي الذي جعله يعتقد أنه "الأب المؤسس" الذي لا يجوز التمرّد عليه رغم ادراكه ربّما أن حتى الآباء يخطئون احيانا وأن من حق الأبناء أن تكون لهم رؤية مختلفة ووجهة نظر بعيدا عن زاوية نظر الأب .

بعد بورقيبة اكتشفنا أنه ترك لنا دولة متماسكة على مواطن الخلل التي فيها،دولة مستقلة وذات سيادة وهو القائل "إن كفاحي ضدّ الاستعمار ليرفع التونسي رأسه ثم يفكّر ويتعلّم وخاصّة يتطوّر"،دولة استمرت رغم سقوط النظام وحافظت مؤسساتها الأمنية والمدنية عن ثباتها رغم كل الأخطاء.

بورقيبة المستبدّ المستنير الذي نشر التعليم وعادى الديمقراطية ساهم بطريقة ما في تهيئة المناخ الثوري،ففي زمنه نشأت وترعرعت النخبة السياسية الموجودة اليوم،هذه النخبة التي تمرّد بعضها على المستبدّ المستنير واختار أن يكون في طرف المعارضة،ناضل لسنوات كي تسقط الدكتاتورية، نضال انطلق منذ زمن بورقيبة ولكنه تبلور وأصبح أكثر شراسة زمن الدكتاتور بن علي .

جحود البعض ونكرانهم لمناقب الزعيم ومآثره لن تحجب انجازاته، كما أن نبرة التأليه والتقديس التي يتبناها اليوم خاصّة البعض الأخر لن تحجب أخطاءه فهو ككل سياسي يخطئ ويصيب لكن ربما ما يميّز بورقيبة أنه كان يملك تلك النظرة الثاقبة والرؤية الإستراتيجية للمستقبل..

هذه الرؤية التي تبلورت في قضية تحرير المرأة،فالحبيب بورقيبة كان يقول "سأفرض حرية المرأة وحقوقها بقوة القانون لذا لن أنتظر ديمقراطية شعب من المنخدعين بالثقافة "الذكورية" باسم الدين."..تحرير المرأة ومنحها حقوقها كاملة دون أن يكون لذلك في تناقض مع الشرع كما يفتري البعض ويدّعي البعض الآخر عنها بالنصوص الدينية أو عن سوء نية.

"أصل التجاري"..

بعد الثورة،تحوّل العشرات من رجال السياسية إلى "بورقيبيين" فجأة يتبنون أفكاره ويدافعون على "أبوته" لهم كما لم يفعلوا من قبل وتنكّروا له وهو في أصعب فترات حياته وفي عزلته يعاني من النسيان والتجاهل،فرئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي كان من أكثر السياسيين استحضارا لروح بورقيبة واستلهاما لأفكاره خاصّة إبان تأسيس حزب نداء تونس أو أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية.. ونوايا قائد السبسي وغيره ممن يطلقون على أنفسهم بـ"الدستوريين" وبالورثة الشرعيين لبورقيبة كانت مكشوفة لدى الٍرأي العام حيث سعى البعض إلى استثمار صورة بورقيبة ومكانته في وجدان شعبه لحشد المؤيدين والأنصار وتلميع الصورة،رغم أن كلّ من استعمل اسم بورقيبة لم يكلّف نفسه عناء زيارته في مرضه أو مواساته في محنته-ما عدا محمد الصياح الذي وجّه رسالة لبن علي حول الوضعية غير المريحة التي كان فيها الزعيم لم يقم أحد من رجال بورقيبة بزيارته في إقامته الجبرية- واستثمار صورة وارث بورقيبة أتى أكله في الحاضر وحسم  الصراع السياسي حيث تمكّن الباجي قائد السبسي ونداء تونس من الفوز رئاسيا وتشريعيا ،كما أن "أعداء" بورقيبة أو المعارضين له سياسيا وخاصّة من الإسلاميين الذين أسسوا أطروحاتهم في تناقض تام مع أطروحات بورقيبة وجدوا أنفسهم في النهاية على طرف نقيض من الشعب التونسي الذي خشي من انتكاسة الدولة المدنية والتراجع عن الحقوق والمكتسبات الحضارية التي دافع عنها بورقيبة الذي طالما كان يردّد "التعليم شيء مقدّس وكذلك الحرية والعقل."

تعاملنا مع بورقيبة ومع الإرث البورقيبي لم يكن تعامل المخلصين الأوفياء بل تعامل الانتهازيين إذ لم نخضع البورقيبية إلى النقد والتمحيص كتجربة تاريخية تؤخذ منها العبر بل حوّلناها إلى "أصل تجاري".

منية العرفاوي   

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة