ولعل ادارة قرطاج قد تفطنت أثناء السهرة الى أنه كان يمكن فصل الاسمين المذكورين وتخصيص سهرة مستقلة لكل واحد منهما، اذ لم يستمتع الجمهور بـ»اسماعيل لو» كاملا, وغادر هذا الفنان الركح في الفترة التي اشتد فيها تفاعل الحضور معه ومع الطبق الافريقي المتقن الذي قدّمه, كذلك كان الأمر مع عشاق «القبايلي» وصوت ايدير الذي حملنا الى عالمه المليء بالخصوصية,عالم لايشبه السائد من الأغنيات التي تكتظ بها فضائياتنا وكان من الممكن تمكين جمهور الاسمين من سهرتين مستقلتين.
انطلق هذا الحفل المشترك بفقرة «اسماعيل لو» الذي عزف على «قيتاره» وأرقص الحضور على أنغام افريقية لا تخلو من اجتهادات عصرية زادها الاتقان الموسيقي في العزف جمالا.
وقد اكتفى هذا الفنان (الملقّب بـ»البوب ديلان» الافريقي) بساعته المخصصة للغناء وغادر الركح متحسّرا فيما ازدادت هتافات الجمهور مطالبة بعودته. وتنوعت فقرة «اسماعيل لو» القديم من أغانيه والجديد وتدخل بعض أفراد فرقته الموسيقية المتكونة أساسا من 6 عازفين للرقص والمشاركة في الغناء أيضا وقد وجدت الايقاعات الافريقية صداها لجمهور متعطش لهذه النوعية النادرة في زمن «البارابول»، وقد كان حضور ضيف تونس الأول متألقا وجامعا بين الحركة الطريفة والتمسك بزمام أمور الغناء وقيادة الفرقة الموسيقية.
«القبايلي» والسرد
انطلقت فقرة «ايدير» في حدود الساعة الحادية عشرة والربع لتتواصل طيلة ساعة من الزمن,كانت كفيلة بتحويل المدارج بما احتوت من جماهير من تونس وليبيا والجزائر الى قرية «قبايلية» تحكمها الموسيقى وتنتفي فيها آثار الاختلافات اللغوية, فالكل يردد «فافا اينوفا» بسلاسة وكأنها بلهجة أخرى غير البربرية التي لا يدرك معانيها كل الحضور وكان يمكن لايدير أن يتخلّى عن سرد بعض التفاصيل عبر الكلام باللغة الفرنسية لتقريب المعنى ,اذ تحوّل السرد في بعض المواقع الى حشو عرقل متعة الانصات.
موسيقى «ايدير» نجحت وبنسبة كبيرة في مزج الجنسيات وتوحيدها في لغة عالمية واحدة, حتى أننا شاهدنا الأجانب يتفاعلون ويرددون العبارات البربرية مع هذا الفنان الذي تخوض أغانيه في ذكريات مغاربية حميمة كما لا تخلو بعض أغنياته من نقد صريح للواقع الاجتماعي والسياسي في بلده. «ايدير» أيضا لم ينل حظه كاملا مع جمهور قرطاج, وغادر الركح في أوج استمتاع الناس به, وحاول البعض حثه على المزيد ولكنه قانون السهرة الذي لم يمهله ليستمتع أكثر بجمهوره المتفاعل مع ايقاعات «القبايلي» المحلّى بايقاع العصر, نذكر أن الناي «القبايلي» كان حاضرا كعادته في سهرة راقت للكل من أفارقة تفاعلوا مع «ايدير» و»قبايلية» تفاعلوا مع «اسماعيل لو», ولكن كان على ادارة قرطاج أن تدرك أنه كان يمكن الفصل بين الاسمين في سهرتين منفصلتين.
نادية برّوطة