لا تزال آلاف السيارات والحافلات والشاحنات تتابع سيرها في شوارع العاصمة اليونانية أثينا رغم دخول سواق شاحنات نقل الوقود وعدد من الفئات الاجتماعية والنقابات والمجموعات المهنية في إضرابات واعتصامات..للاحتجاج على «الإجراءات اللاشعبية « التي اتخذتها الحكومة استجابة لضغوطات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بهدف احتواء المؤشرات الخطيرة جدا للازمة المالية والاقتصادية التي تهدد الأخضر واليابس في بلد عضو في الاتحاد الاوروبي منذ 3 عقود..يعتبره تيار عريض من النصف مليار أوروبي "عاصمتهم الثقافية"
اضرابات سائقي الشاحنات تتزامن مع غلق بعض محطات بيع البنزين..فيما لوحت الحكومة بتدخل الجيش لضمان تزويد العاصمة بحاجياتها من الوقود..
سائق التاكسي «جورج « رد بحزم وثقة في النفس على سؤال « استفزازي « افتتحت دردشتي معه حول احتمال معارضته وزملائه لاضراب سواق أصحاب الشاحنات « لأنه يهدد مصالحهم وقد يحيلهم على البطالة"..
علق السيد جورج على سؤالي قائلا : « نحن سواق التاكسيات نتضامن مع الإضرابات والتحركات الاحتجاجية على الفساد الاداري والمالي الذي تسبب ولا يزال في تراكم العجز المالي للدولة مما تسبب في استفحال الاوضاع الاجتماعية وارتفاع نسب البطالة إلى حوالي 40 بالمائة في صفوف الشباب حسب الإعلام الرسمي نفسه "..
أفلاطون ..أرسطو.. سقراط
لكن " تحمس" السيد جورج لاضرابات سائقي شاحنات نقل الوقود لا تقلل من أهمية التخوفات التي تعبر عنها الأوساط الصحفية الديبلوماسية التي تتابع تدهور الاوضاع الاجتماعية والاقصادية في بلد بات ابعد ما يكون عن " الجمهورية الفاضلة" للفيلسوف اليوناني الخالد أفلاطون..وبقية الفلاسفة والعلماء الذين افرزتهم اليونان ومنطقة البلقان قبل أكثر من ألفي عام..
الخبير الاقتصادي اليوناني ألكسندروس سيفانوس أورد في تصريح للصباح أن « حكومة اليونان الحالية ـ وأية حكومة قادمة ـ باتت أمام خيار واحد هو اتخاذ اجراءات لا شعبية لانقاذ التوازنات المالية للدولة..وتخفيض نسب عجز الموازنة من حوالي 11 بالمائة إلى 5 بالمائة..والتحكم في حجم الديون الخارجية قبل موفى 2013..وإن كان الثمن إحالة مئات الالاف من العمال على البطالة وغلق المؤسسات المفلسة والعاجزة عن تسديد ديونها ..
اضطرابات ..وأعمال عنف؟
وفي وقت تنقل فيه القنوات التلفزية والاذاعية والصحف الجهوية والمحلية تفاصيل عن الاضطرابات وأعمال العنف في عدد من المدن والاحياء الصناعية وفي مدينة أثينا تتواصل الحركة التجارية والانشطة الترفيهية في الاحياء السياحية الفخمة..مثل « منطقة مجمعات فنادق الشاطئ «أستير» ..أو « غليفادا» أو الساحات المجاورة للمعالم التاريخية..مثل «لا بلاكا» حول المسرح التاريخي..أو فضاء المعبد «مونستي»..
الحركية السياحية يساهم فيها الميسورون اليونان إلى جانب ملايين الزوار الأوروبيين..وإن كان «أغلبهم من بين السياح الفقراء» على غرار ما جاء على لسان السيدة «ماريا» المديرة التجارية في فندق تابع لشبكة «هيلتون»..
الأزمة الـ18
لكن الشواطئ ومسابح الفنادق السياحية المكتظة بالسياح اليونانيين والأجانب وبالحسناوات الجميلات ـ المتطلعات إلى السماء الصافية والشمس المعتدلة ـ لا يمكن أن تخفي حقيقة باتت تزعج بقوة جل اليونانيين..وتؤرقهم منذ أكثر من عامين.. وهي أن « الأزمة الحالية تختلف من حيث طبيعتها وخطورتها عن الازمات الـ18 التي عرفتها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية «.. على حد تعبير الخبير السابق في البنك الدولي الدكتور غسان عبد الله.
حسب هذا الخبير والديبلوماسي في مفوضية الاتحاد الاوروبي ببروكسيل السيد كريس الكسندرون فقد « نجحت الحكومات اليونانية السابقة في احتواء الازمات الـ18 عبر إجراءات عديدة من بينها ممارسات أصبحت عاجزة عن القيام بها اليوم مثل « طبع كميات من العملة الوطنية بما لا يتماشى وقدرات الاقتصاد الحقيقية وهو ما تسبب في تضخم مالي داخلي»..هذا السيناريو لم يعد واردا اليوم « لأن الاتحاد الأوروبي أصبح يراقب اليونان باعتباره عضوا في الاتحاد وفي منطقة اليورو..ينبغي أن تتلاءم مؤشراته الاقتصادية مع المؤشرات الاوروبية ومن بينها مقررات «ماستريخت»..
هل تسقط الحكومة ؟
في الأثناء تتواصل حملات تبادل الاتهامات بين قيادات الأحزاب السياسية ورموز الكتل الانتخابية والمجموعات البرلمانية..والسؤال الكبير الذي يواجه الجميع علنا وسرا..في المحافل العامة وفي الكواليس : " هل تسقط الحكومة الحالية ؟ " أو " متى ستسقط الحكومة"؟
وتعطي الحوارات حول تغيير رئيس الحكومة « اليسارية « التي قامت على أنقاض « الحكومة اليمينية « أبعادا معقدة للمعارك الحزبية والنقابية في بلد أصبحت من أخطر أوراق الصراع على السلطة فيه اتهامات متبادلة بـ» تزييف الإحصائيات « و» نشر معلومات مزيفة « عن الأوضاع المالية والاقتصادية والجهات المتهمة بالتورط في الحصول على «امتيازات وعمولات» ..أو التورط في « تداين مبالغ فيه « لتطوير أوضاع الطرقات والمطارات وشبكة القطارات بحجم يتنافى مع قدرات البلاد المالية على المستوى المتوسط والبعيد.. من بينها أكثر من 5 مليار يورو حصلت عليها الحكومة ما بين 2000 و2004 لادخال» اصلاحات جوهرية طورت البنية الاساسية في اثينا نوعيا «.. لكنها اصلاحات تعاني الحكومة صعوبات كبير في تسديدها..
كمال بن يونس