وإذا افتقدت عناصر التحفيز وانصرفت عدسات الكاميرات إلى إحصاء القتلى وتحليل فشل المبعوثين واتفاقات وقف إطلاق النار، واستبدلت معاني «الثورة» بتهديدات الانقسام والمؤامرات الخارجية وأهواء ممن يفترض أن يكونوا «أغلبية»، فشلت المعادلة وفقدت كلّ المكونات قدرتها على التفاعل واستسلمت القراءات «للمحلّيات الاصطناعية» من «فتنة طائفية» إلى «خدمة أجندات أجنبية».
من المحظوظين من يفرش لهم بساط «الثورة» الأحمر وتفتح الأبواب في وجوههم على مصراعيها وتلاحقهم كاميرات «الباباراتزي» أينما حلوا، وهناك من يحرّم عليهم النقد أو التعبير. في ميدان «اللؤلؤة» في البحرين استحالت المطالبة بالتغيير إلى «عدوان» يضرب وحدة الدولة، ورفع المجتمع الدولي بوسائل إعلامه يديه عما يحدث، فبعض العرب يسمّون الأحداث في البلاد «فتنة طائفية» -استدعت تدخلا عسكريا- والغرب يتخوّف من «أياد إيرانية» والشعب يراقب صورة صامتة لحراك مدني متصاعد.
منذ عام لم ينطفئ «شعاع» الاحتجاج في البلاد، واصطدمت صرخات البحث عن الحقوق والديمقراطية بآذان صماء، لم يسلم من العنف الذي اختير ردا على مطالب التغيير مدنيون آمنون في منازلهم أو أطباء أو مسعفون. كان على المحتجين البحرينيين مواجهة القتل والقمع والاعتقالات التعسفية والمحاكمات العسكرية في سبيل المطالبة بتغيير هيكل النظام السياسي والحلم بدولة ديمقراطية وبدستور وبرلمان متوافق عليه.
مثل تلك المطالب والسيناريوهات تكررت في بلدان عدة، لكنّها في الحالة البحرينية تفتقر للمكون الأهم وهو «مصلحة» خارجية أمريكية في زرع ثورة داخل «المعسكر الخليجي»، خاصة في بلد نفطي يضم قواعد عسكرية أمريكية، ويتصدى لما يسمّى محاولات التوسّع الشيعي الإيراني. «الانتفاضة» في البحرين تفتقر لما يمكن أن يغري واشنطن أو الدوحة حتى تضيف بعض عناصر التحفيز على حراك الشعب وتجدّد مساحيق التجميل على وجوه سياسيّيها ليستبدلوا عبارات «القلق» و»التخوف» بمبادئ خزنت منذ عقود في دفاتر الأمم المتحدة تضمن للشعوب حق تقرير مصيرها.