خاتمة دوستوفسكي عكست بطريقة ما محنة عاشها التونسيون وهم يواجهون سطوة نظام غاشم ، متحدّين أجنحته القمعية التي استباحت كل الشعب وانتهكت كل الحرمات وبالتالي لا يحق لأي طرف سياسي أو ايديولوجي اليوم أن يدعي أنه يحتكر النضالية وأن يتعسّف باسم صفة «سجين سابق» على كل الشعب التونسي ويزايد عليه في الوطنية؛ فسياسة القطيع كانت مفروضة بكل «عدل ومساواة» على كل مواطن تونسي..كما أن سياسة تكميم الأفواه والتهديد بالتجويع كانت من بين الأدوات الرهيبة التي استنبطها النظام للتركيع والتدجين..
وهذه الأدوات كانت تسبّب ألاما نفسيّة حتى وان كانت خفية فهي تكاد تضاهي أي انتهاك جسدي تعرّض له سجناء الرأي منذ «فجر» دولة الاستقلال إلى حين لفظ الوطن الطاغوت بعد أن أزهقت أرواح واستبيحت حرمات لكي تهب لنا من جديد الحياة على رأي دوستوفسكي.. بعد أن دفعنا الثمن الباهظ والألم العظيم وتحلينا بصبر أيوب وجاهدنا لنيل حريتنا.
لكن الجريمة حدثت والعقاب لم يسلّط بعد..ومن أجرم في حق البلاد والعباد ينعم بالحرية..ضحايا دون جلادين ذاك شعار المرحلة على الأقل إلى حدّ اللحظة الراهنة..
شهداء أزهقت أرواحهم..ونكّل بهم..واخترقت عشرات الرصاصات أجسادهم الغضّة لتنتهي التراجيديا بجريمة دون عقاب..و قتلة لا يحاسبون..وجناة مجهولون..وحسب ما يبدو من إجراءات التقاضي بعد مدة تناهز السنة والنصف فإن ملف قتلة الشهداء يتجه نحو الحفظ تحت عنوان «قيّد ضد مجهول» لعدم كفاية الأدلة.
ولن ننسى رجال الأعمال الذين استنزفوا أموال الشعب وتحالفوا مع «شياطين» السلطة لعقد الصفقات المشبوهة وتكديس الثروات فاسدة المصدر..نجدهم يحومون حول مطابخ السياسة وصنع القرار بعد أن «عجز» القضاء أو وقع «تعجيزه» عن إصدار قرارات الإدانة..مما فرض على صنّاع القرار و- تحت ابتزاز الحاجة الاقتصادية للبلاد - سنرضخ شعبا وحكومة إلى مبدإ المصالحة ونقفز على المحاسبة.. وكالعادة جريمة دون عقاب.
الانتهاكات الحقوقية عادت لتطفو مؤخرا على السطح حيث تعرّضت أكثر من شخصية الى العنف في أكثرمن مناسبة وأكثر من مكان..عنف مارسته الحكومة القائمة والجماعات المارقة والتي لا تعير اهتماما للقانون ولا تحترم مؤسسات الدولة التي لا تعترف بها أصلا .
ولدفع شبهات التواطؤ تعمد الأجهزة الرسمية في كل مرة إلى إعلان اعتزامها إحداث لجنة تحقيق وتمضي الأيام.. ولا توجد هذه اللجان إلا افتراضيا ولا نرى حقائق بل نرى طمسا متعمّدا لآثار الجريمة النكراء... وننسى أن القصاص والمحاسبة والعقاب هي تحقيق لقيم العدل والإنصاف وذلك لقوله تعالى في سورة البقرة ـ الاية 179 "..ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتقون"
وبما أن العبرة بالخواتم نتمنّى على" أولي الألباب" أن يتّقوا الله في الضحايا حتى لا يكون الجلاّد قد "استمتع" باقتراف جرمه المشهود دون أن يشفى غليل الضحية بإنزال العقاب بالجاني..ولكي لا نراكم الجرائم ..دون عقوبات.