وبصرف النظر عن حيثيات تلكم الأحداث المؤسفة، فإن ما يلفت انتباه كل متيّم بما تكتبه وتذيعه وتبثه وسائل الاعلام الوطنية هذه الأيام من أخبار وتعاليق، هو سقوطها في غرام كلمة «أسود».. فما من حدث تلا وقوعه تاريخ 9 أفريل 2012، إلا وهو «أسود» ـ من منظورها ـ خاصة اذا ما استوجب هذا الحدث تدخل قوات الأمن، سواء لحماية الممتلكات الخاصة والعامة، أو لفك اعتصام عشوائي عطّل سير الحياة الطبيعية.. أو حتى لتفريق مواطنين انخرطوا في عراك عنيف، أدواته الهراوات والأسلحة البيضاء وبنادق الصيد!!!
الحاصل.. أن ما من جهة أو مدينة أو حي شعبي، شهد في يوم من الأيام حركة احتجاج أو أعمال شغب تطلبت تدخلا أمنيا، إلا وكان ذلك اليوم «أسود» بشهادة ـ لا فقط ـ وسائل الإعلام، بل وأيضا أحزاب المعارضة.. الى درجة أن «أيامنا السوداء» في تونس ما بعد الثورة، أضحت لا تعد ولا تحصى.
إذن والحال تلك، ألا يصبح مطلوبا من المواطن التونسي أن يحنّ ـ بالمقابل ـ الى عهد بن علي ونظامه القمعي والفاسد.. عهد «تونس بلد الفرح الدائم» و«تونس الأمن والأمان» الذي كانت تروج له تقريبا نفس الوجوه التلفزيونية ونفس الأقلام الصحفية، التي تروّج اليوم لسوداوية أيامنا التاريخية التي نعيش،، أيام التأسيس لنظام ديمقراطي مدني في إطار دولة عدالة وحريات وقانون ومؤسسات!
مهما يكن من أمر.. وسواء كانت أيام تونس ما بعد الثورة، وما بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011، سوداء أو صفراء أو بيضاء أو حمراء أو زرقاء.. فإنها تبقى ـ وبكل المقاييس ـ أياما حقيقية وغير مزيفة، ومن صنع الانسان التونسي وإرادته، وليست من صنع إعلام تضليلي طالما برع في تحويل أيام القهر والقمع والجمر التي عاشها الانسان التونسي على امتداد فترة حكم المجرم بن علي، وبمجرد أن تغيب الشمس، الى ليال «بيض» وملاح.. بدءا بأكاذيب شريط أنباء الساعة الثامنة، ومرورا بهدهدات المختارات الغنائية لفنانين من طينة صوفية صادق والهادي دنيا وغيرهما، ووصولا الى «حرابش» مسلسل «مكتوب» ومنوعات شركة بلحسن الطرابلسي للانتاج التلفزيوني «الحق معاك» أو «عندي ما نقلك» وغيرها..
في كلمة «أيامنا السوداء» ولا «لياليكم البيض».
محسن الزغلامي