وتكشف « سعادته... السيد الوزير» التواطؤ الجذري بين رأس المال والجسد والسياسة. وهي على رأي المبخوت « اقانيم ثلاثة تشفّ عن فساد مقنع معمم مأتاه زواج المحارم على ما فيه من إبهام ولبس، بين الرغبة في المال السهل وإدمان الجنس وشهوة السلطة.
حيوانات اخذ بعضها برقاب بعض تسير في أرجاء العالم كله نحو تأبيد استعباد البشر إن على نحو صريح عار كما هو الشأن عندنا في بلاد العرب أوطاني وما شابهها، وإن على نحو مهذب خفي في الغالب الأعم كما هي الحال في تلك البلدان التي صنعت سلطتها المضادة ومازالت تجوّدها على قدر تلاعب السلطات القائمة ومناورتها».
و الدكتور حسين الواد، أستاذ الأدب والنقد من مواليد المكنين عام 1948 وهو حاصل على دكتوراه الدولة في الآداب العربية من الجامعة التونسية 1987م، عمل أستاذا في قسم اللغة العربية كلية الآداب في جامعة الملك سعود، ومديرا لمعهد بورقيبة للغات الحية في تونس، وأمينا عاما للجنة الوطنية لدى «اليونسكو»، «الألكسو» و»الإيسيسكو» وعميدا لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في القيروان...
له العديد من المؤلفات وهو مدير سلسلة مفاتيح التابعة لدار الجنوب للنشر وللواد في الأدب العربي القديم والحديث والمناهج الحديثة مؤلفات عدة من بينها البنية القصصية في رسالة الغفران 1972. في تاريخ الأدب: مفاهيم ومناهج 1979.
في مناهج الدراسات الأدبية 1982. المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب 1987. مدخل إلى شعر المتنبي 1991. دراسة في شعر بشار 1992. اللغة الشعر في ديوان أبي تمام 1999. جمالية الأنا في شعر الأعشى الكبير 2001.
كما سبق له ان قدم لمؤلفات الغير وكتب مقالات لا حصر لها في ملحق العمل ومجلة الفكر ونشط خاصة بين سنتي 1972 1974 إبان بروز حركة الطليعة الأدبية.
وله في الفن السردي «روائح المدينة « 2011 التي فازت بجائزة الكومار الذهبي واستقبلها المثقفون والنقاد بإعجاب كبير حيث قال الناقد توفيق بكار أنها ترتقي بأسلوبها إلى مستوى الأدب العالمي وهذا أمر نادر في الإنتاج الأدبي الوطني. ذلك أنها تختزل في سماتها كل المدن التونسية العتيقة حيث وصف فيها البيئة الاجتماعية بألوانها وأشتاتها وخصوصا روائحها مهما كان مأتاها سواء كانت محببة أو كريهة فهي العنصر الأساسي المحرك للنص الأدبي الذي تتزاحم فيه روائح الجوامع ومعاصر الزيتون والأسواق وحتى القاذورات والمواخير مع استعمال مكثف للأمثلة الشعبية على ألسنة أصحابها .. كل ذلك في إطار نظرة ساخرة ومتهكمة ولكنها في نفس الوقت نظرة غير محايدة فهي نظرة ناقدة وساخطة في أغلب الأحيان.
ويبدو أن رواية الواد هذه كذلك تحظى بقبول جيد حيث كتب الأستاذ الباحث في اللغة العربيّة وآدابها شكري المبخوت لها مقدمة ذكر فيها أن الواد كتبها قبل الثورة التونسية بسنوات وانه قد استلهم زمن كتابتها بعض ما كان يتداول عن دولة الفساد و السرّاق وفضائح وزرائها وزعيمهم وعائلته المالكة تاركا البقية ولعلها الأهم في حساب الفن، لمنطق الحكاية وصناعة الرواية.. وبدا العالم الفني الذي صنع من خيال الكاتب مشاكلا لوجوه من الواقع الذي كشفت الأيام بعض أسراره. على انه والكلام للمبخوت : «غير انك لن تجد في هذه الرواية.
وان قربت وشبهت وزيرا بعينه واكبر ظني انك ستظل تقرّب تقريبا ولا يقينا باديا لك ويعسر عليك مهما اجتهدت ان تجد هذه الواقعة أو تلك الحادثة تحديدا ولكنك ستلمس لمسا بأي منطق كانت تصرف شؤون الدولة دولة ناهبي الأوطان وبائعيها ومخربي العقول ومستعبدي الناس.»
«سعادته.. السيد الوزير» رواية أرادها حسين الواد مرافعة أمام المحكمة لوزير رفض المحامون الدفاع عنه لقذارة ما وراءه من ملفات الفساد حيث انه عمل في حاشية « سيادته» ولعله يقصد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، تتناول مراحل من حياة وزير كان معلما في المدارس الابتدائية يعاني من الفقر والحرمان بجميع إشكاله ومن متاعب الحياة فساقته الصدف والطمع الى منصب وزير في دولة يحكمها الفساد فقام فيها بمهمات قذرة وعندما انتهت هذه المهمات القى به سيده في أقبية وزارة الداخلية ومذبح المحاكم ومسلخ مستشفى المجانين .
لكن وان كانت الرواية قد كتبت سنوات كثيرة قبل ثورة 14 جانفي وان كانت الأحداث فيها شبيهة بما حدث في تونس اليوم بعد الثورة فان الفرق على ما يبدو يكمن في ان بعض المحامين بعد الثورة لا يرفضون الدفاع عن الفاسدين المرتشين بل يتهافت بعضهم على الدفاع عن أزلام النظام القديم لا فقط على الوزير وإنما حتى على اكبر رمز من رموز الفساد في دولة الفساد.
علياء بن نحيلة